
دافَعَ الرئيسُ الأميركيّ آنذاك، دونالد ترامب، عن نهج إدارته في التعامل مع ما أسماهُ "الحرب مع إيران"، وذلك في تصريحاتٍ أدلى بها يوم الأربعاء، الثامن من يوليو (تموز) 2020، عقبَ قمةٍ لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد حملت تصريحات ترامب نبرةً حادةً ومُهدِّدةً تجاه القيادة الإيرانية، مع تأكيداتٍ على تجنب الدخول في صراعٍ طويل الأمد.
وفي سياق دفاعه عن السياسة الأميركية، أشار ترامب إلى التغييرات التي طرأت على القيادة الإيرانية، في إشارةٍ واضحةٍ إلى اغتيال شخصيات بارزة. وقال ترامب: "كان لديهم قادة، ولم يعودوا موجودين. والآن لديهم مجموعة أخرى من القادة. ربما يختفون هم أيضًا"، في تلميحٍ قويٍّ إلى استهداف الولايات المتحدة لرموز النظام الإيراني، على غرار عملية اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في يناير 2020.
ولم يقتصر الرئيس الأميركي آنذاك على توجيه التهديدات للقيادة الإيرانية، بل تطرق أيضاً إلى وضعه الشخصي، معتبراً نفسه هدفاً رئيسياً لطهران. وأضاف ترامب بلهجةٍ تنمُّ عن إدراكه للمخاطر المحتملة: "أتعلمون؟ ربما أختفي أنا أيضًا، لأنني هدفهم الأول". هذه العبارة تعكس حجم التوتر المتبادل بين واشنطن وطهران خلال فترة رئاسته، والتهديدات المتبادلة التي كانت جزءاً من المشهد السياسي آنذاك.
وعلى الرغم من اللغة التصعيدية التي استخدمها، حرص ترامب على طمأنة الرأي العام بشأن مستقبل المواجهة مع إيران، مؤكداً أن واشنطن لن تنجر إلى صراع طويل. واختتم تصريحاته بقوله: "مهما حدث، فلن ندخل في حرب طويلة مع إيران". وتأتي هذه التصريحات لتوازن بين خطاب القوة والتهديد، وبين الحرص على عدم الانغماس في حربٍ استنزافية، وهو ما كان موقفاً متكرراً من إدارته التي سعت إلى فرض أقصى درجات الضغط دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
تأتي تصريحات الرئيس ترامب في سياق فترةٍ اتسمت بتصاعدٍ غير مسبوقٍ في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في مايو 2018، بدأت إدارة ترامب في تطبيق حملة "الضغوط القصوى" على طهران، تشمل إعادة فرض وتوسيع العقوبات الاقتصادية التي استهدفت قطاعات حيوية في الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك النفط والبنوك. وقد أدت هذه الحملة إلى تدهور حاد في العلاقات، واندلاع سلسلة من الحوادث الأمنية في منطقة الخليج العربي، فضلاً عن الهجوم على منشآت نفطية سعودية واستهداف ناقلات نفط.
ويُعدّ اغتيال الجنرال قاسم سليماني، الذي كان مهندس العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني، في غارة أميركية قرب مطار بغداد الدولي في الثالث من يناير 2020، نقطة تحولٍ رئيسيةٍ في هذه المواجهة. وقد أثار هذا الاغتيال ردود فعلٍ غاضبةٍ في إيران، وتعهد المرشد الأعلى علي خامنئي بالانتقام، تلاه قصف إيراني لقواعد عسكرية عراقية تضم قوات أميركية، ما أدى إلى إصابة عشرات الجنود الأميركيين. هذه الأحداث شكلت خلفيةً مباشرةً للتصريحات القوية التي أدلى بها ترامب عقب قمة الناتو، والتي تعكس استراتيجية الإدارة الأميركية في الرد على التهديدات الإيرانية بصرامة مع محاولة احتواء الصراع من التوسع نحو حربٍ شاملة.
وفي الوقت الذي كانت فيه العلاقات الأميركية الإيرانية تمر بمرحلة من عدم اليقين والتهديد المتبادل، كانت قمة الناتو فرصة لواشنطن لاستعراض مواقفها الأمنية والدفاعية أمام الحلفاء. ورغم أن إيران ليست محور اهتمام الناتو المباشر، إلا أن استقرار منطقة الشرق الأوسط وتأثير الأنشطة الإيرانية على الأمن الإقليمي والدولي غالباً ما يكون حاضراً في الأجندة الجانبية للمحادثات، مما يوفر منصة للرئيس الأميركي للتعبير عن مواقفه بشأن هذه القضايا الحساسة.