نزيف الكفاءات: أكثر من 45 ألف مهندس غادروا تونس و1000 طبيب سنويا !



أفادت جلسة استماع عقدتها لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بمجلس نواب الشعب، عن تفاقم ظاهرة هجرة الكفاءات التونسية، لا سيما في قطاعي الطب والهندسة، ما يستدعي تدخلات عاجلة لوقف هذا "النزيف" الذي يهدد القطاعات الحيوية في البلاد. وقد شدد رئيس اللجنة، رياض جعيدان، على ضرورة وضع حد لهذه الظاهرة، مؤكداً أهمية توفير بيئة عمل محفزة وجذابة للحفاظ على الخبرات الوطنية.

وفي تفاصيل الجلسة التي استضافت ممثلين عن عمادتي الأطباء والمهندسين، أكد جعيدان أن معالجة هذا الملف لا تقتصر على الجانب الاجتماعي والاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل البعد التشريعي. وأشار في تصريح اعلامي إلى أهمية تطوير البيئة التشريعية القادرة على تحفيز التونسيين المقيمين بالخارج على الاستثمار في بلادهم، بما يسهم في خلق فرص عمل للكفاءات العائدة أو للحفاظ على الموجودة.

من جانبه، دق الدكتور قيس نويرة، عضو المجلس الوطني لعمادة الأطباء، ناقوس الخطر إزاء الوضع المتردي في القطاع الصحي، كاشفاً عن أرقام مقلقة تشير إلى مغادرة حوالي ألف طبيب لتونس سنوياً. وأوضح نويرة أن هذه الهجرة الجماعية للأطباء أدت إلى إغلاق العديد من العيادات الخاصة، محذراً من التداعيات السلبية على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. ودعا إلى الشروع الفوري في تنفيذ حلول جذرية لإنقاذ القطاع الصحي من الانهيار.

بدوره، قدم عميد المهندسين التونسيين، محسن غرسي، أرقاماً صادمة تكشف حجم الهجرة في صفوف المهندسين، حيث أكد أن أكثر من 45 ألف مهندس غادروا تونس خلال العشر سنوات الأخيرة. ويمثل هذا العدد نسبة 42 بالمائة من المهندسين المسجلين بالعمادة، وهي نسبة تعكس خسارة فادحة للبلاد في هذا القطاع الحيوي. وسلط غرسي الضوء على تفاقم الظاهرة في السنتين الأخيرتين، حيث بدأت تشمل المهندسين ذوي الخبرة الطويلة، التي تتراوح بين 15 و20 عاماً، مما يشكل تحدياً أكبر للتنمية الوطنية.

وتأتي هذه المعطيات لتسلط الضوء على تحدٍ وطني كبير يتمثل في استنزاف الكفاءات والخبرات التي تعد ركيزة أساسية لأي تقدم اقتصادي واجتماعي. إن هجرة هذه الأعداد الكبيرة من الأطباء والمهندسين لا تعني فقط خسارة رؤوس أموال بشرية مدربة ومؤهلة، بل تؤثر أيضاً على جودة الخدمات الأساسية المتاحة للمواطنين، وعلى قدرة البلاد على الابتكار والتنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية. كما أنها تضع ضغوطاً متزايدة على القطاعات العامة والخاصة المتبقية، وتعيق خطط التنمية المستقبلية.

وفي ظل هذه الأرقام المقلقة، دعا عميد المهندسين محسن غرسي إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة لا تكتفي بوقف الهجرة فحسب، بل تهدف أيضاً إلى تشجيع الكفاءات التونسية المهاجرة على العودة إلى الوطن والمساهمة في بناء تونس. وتشمل هذه الاستراتيجية توفير ظروف عمل وحياة كريمة، وتحفيز الاستثمار في المجالات التي تحتاج إلى هذه الكفاءات، بالإضافة إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون سبباً في دفع هذه الفئات إلى مغادرة البلاد.

أحدث أقدم