مسرحية "الهاربات" تفتتح الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي

اختتم مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين، مساء الأحد 11 جويلية 2024، فعالياته بافتتاح مميز مع عرض مسرحية "الهاربات" للمخرجة التونسية وفاء الطبوبي. وجاء العرض على خشبة مسرح الهواء الطلق، حيث زاد صوت أمواج البحر والرياح الخفيفة من جمالية العمل، ليصفه النقاد بأنه "عرض خاص يختلف عن بقية العروض"، وفق تعبير مخرجة العمل.

مسرحية "الهاربات"، وهي إنتاج مشترك بين المسرح الوطني وشركة الأسطورة، تقدم رؤية فنية جريئة، يراها النقاد أنها "تشكل علامة فارقة في المسرح العربي المعاصر". وتقدم المسرحية قراءة نقدية لواقع المجتمع التونسي، مسلطة الضوء على معاناة شخصيات من الهامش، حيث يقول المشاركون في العمل: "نحن صوت الفئات المهمشة التي لا صوت لها، وحرصنا على أن نقدمهم للجمهور بصورة تحفظ كرامتهم وتعبر عن روحهم وتطلعاتهم ومشاغلهم وتحدياتهم".

يجمع العمل شخصيات متنوعة الأحاسيس والآمال في فضاء مغلق هو المحطة، محطة انتظار وبحث عن الوجهة. وتلتقي الأحاسيس بالانكسار والذعر الوجودي والخوف من المجهول، بأسلوب بسيط حقق القرب من الجمهور، الذي تفاعل مع ضحكات الشخصيات وأحس بحزنهم ومعاناتهم دون السقوط في الميلودراما والصور النمطية.

حمل العرض في طياته رسائل فكرية واجتماعية عديدة، إذ يتطرق لجدلية الهروب من الألم والبحث عن الذات. وفي بعض المشاهد، يستحضر حالة التيه عبر حركات الممثلين، التي تتراوح بين التسارع والبطء والفوضوية في اتجاهاتها، لتعكس قلقاً وجودياً وضياعاً اجتماعياً. وتظهر الحركة الدائرية المفرغة، القريبة من صخرة سيزيف، في حالة انتظار يملؤها القلق والتوجس من المجهول، وذلك عبر جدار أسود أقيم على الخشبة ليحيط بأبطال العمل.

وأكدت المخرجة وفاء الطبوبي قائلة: "أنا لا أرسل رسائل يأس، ولكنني اخترت المسرح الذي يعبر عن مشاغل الناس، وخاصة المهمشة والمنسية، لأصلهم بالجمهور الذي هو جزء من مسار إصلاح وتفاؤل". من جهتها، قالت الممثلة لبنى نعمان: "شرف نالنا باعتلاء مسرح الحمامات، وما زادنا بهجة حضور الجمهور الذي كان قريباً منا وبادلنا الإحساس وتفاعل مع حركاتنا وكلماتنا، فكان جزءاً منا". وأضافت: "لقد بينا الليلة أن المسرح الجاد الحامل لقضية والصادق في معانيه وتعابيره قادر على جلب الجمهور، وعلى أن يكون جزءاً من المجتمع لبناء ثقافة تنتصر للقيم الإنسانية وتبني مجتمعاً متضامناً يتجاوز مظاهر العنف والفردانية واللامبالاة".

وظفت سينوغرافيا وفاء الطبوبي الديكور البسيط والصامت لتفسح المجال لتعبيرات الفنان، وجعلت من الإضاءة الخافتة والظلال المتداخلة تعبيراً بصرياً عن مشاعر الترقب والحيرة. ولعل المتأمل في اسم العمل "الهاربات" يستنتج أن المخرجة تميزت بجرأة في تفكيك المفاهيم، باختيار صيغة جمع المؤنث السالم لعرض يضم رجلاً بين شخصياته، فثارت على اللغة لتعمق المعاني. وتعكس جدلية الألفاظ بين الهرب والفرار أن الهرب في فقه اللغة العربية حالة من الذعر والخوف الشديد المرتبط بالرهبة، حيث يندفع الإنسان من واقع ضاغط ومظلم دون امتلاك وجهة واضحة أو طريق نجاة، وهو فعل اضطراري وتخفٍ مستمر قد لا يعقبه رجوع. أما الفرار فهو حركة سريعة وموجهة تحمل في طياتها غاية واعية، ينطلق فيها الفرد إلى مكان أو ملجأ يمنحه الأمن والسكينة، ويرتبط الفرار بمعاني الرجوع أو بلوغ المكان.

جدليات عديدة اكتنفت العمل لتشكل عرضاً متميزاً حقق القرب من الجمهور، وأعطى بمعانيه وجماليته إشارة انطلاقة قوية لمهرجان الحمامات في دورته الستين، دورة "ذاكرة تعيش". انطلقت فعاليات المهرجان ليلة 11 جويلية لتتواصل إلى 13 أوت، في دورة تحتفي بمرور ستة عقود على تأسيس المهرجان العريق، وتقدم لجمهورها 32 عرضاً متنوعاً يتوزع بين الموسيقى والمسرح والرقص المعاصر والفنون الأدائية.

هذه الدورة الجديدة والمتنوعة المضمون يواصل فيها مهرجان الحمامات الدولي انتصاره للفن التونسي، ببرمجة 14 عرضاً تونسياً من بينها 4 عروض مسرحية و9 عروض موسيقية، بالإضافة إلى عرض كوريغرافي. ويفسح المهرجان المجال لاستضافة مبدعين وفنانين من 12 دولة، تشمل فلسطين ولبنان والجزائر والمغرب ومالي وتركيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وكوبا والولايات المتحدة الأمريكية.

أحدث أقدم