
شهدت العاصمة تونس، اليوم، مسيرة احتجاجية حاشدة نظمها عدد من المعطلين عن العمل، انطلقت من ساحة القصبة، الرمز التاريخي للاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، وصولاً إلى شارع الحبيب بورقيبة وسط المدينة. رفع المشاركون في المسيرة شعارات تطالب بـالحق في الشغل والكرامة، منددين بما وصفوه بـ'منظومة الفشل' في معالجة ملف البطالة المستفحل في البلاد. تأتي هذه الاحتجاجات في ظل ظروف جوية صعبة، حيث تحدى المتظاهرون حرارة الطقس المرتفعة، مؤكدين تصميمهم على مواصلة نضالهم من أجل تحقيق مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية.
المسيرة، التي ضمت خريجي جامعات عاطلين عن العمل منذ سنوات طويلة، بالإضافة إلى فئات أخرى متضررة من غياب فرص الشغل، شهدت ترديد هتافات تدعو السلطات إلى تحمل مسؤولياتها كاملة تجاه هذه الشريحة الواسعة من المجتمع. وقد أكد المحتجون على أن مطالبهم لا تقتصر على توفير فرص عمل فحسب، بل تمتد لتشمل ضمان حياة كريمة تحفظ حقوقهم الأساسية في ظل غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية.
وتعكس هذه المسيرة عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها تونس، حيث لا تزال نسب البطالة تسجل مستويات مقلقة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الآلاف من الشباب التونسي يعانون من البطالة، ما يغذّي حالة الإحباط ويساهم في تنامي الاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات الجذرية. لطالما كانت ساحة القصبة وشارع الحبيب بورقيبة مسرحاً لمثل هذه التحركات، ما يؤكد على استمرارية الإشكاليات الهيكلية التي تواجه الحكومات المتعاقبة في البلاد.
ويعتبر المحتجون أن فشل السياسات الحكومية المتعاقبة في إيجاد حلول مستدامة لملف البطالة هو السبب الرئيسي وراء تصاعد وتيرة هذه التحركات. وقد وجهوا انتقادات لاذعة لما اعتبروه وعوداً زائفة لم يتم الوفاء بها، مؤكدين أن غياب الرؤية الواضحة والخطط الفعالة لتشغيل الشباب قد أدى إلى تفاقم الأزمة وتعميق الفجوة بين فئات المجتمع. ويرى بعض المشاركين أن 'الشارع هو الحل' لممارسة الضغط اللازم على صانعي القرار لدفعهم نحو اتخاذ إجراءات ملموسة وعاجلة.
وفي سياق متصل، يأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه البلاد تحديات اقتصادية جمة، بما في ذلك ارتفاع المديونية وتراجع الاستثمار الخارجي، مما يحد من قدرة الدولة على خلق فرص عمل جديدة. كما تتأثر تونس بالظروف الاقتصادية العالمية والارتفاع المستمر في أسعار المواد الأساسية، مما يزيد من صعوبة الأوضاع المعيشية للمواطنين ويضاعف من معاناة العاطلين عن العمل.
وتشدد الجهات المنظمة لهذه المسيرة على ضرورة الإسراع في وضع استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة البطالة، ترتكز على تنويع الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتطوير برامج التكوين المهني بما يتماشى مع متطلبات سوق الشغل. كما تطالب بإنهاء المحسوبية والفساد في التوظيف، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين.
وتُعد هذه الاحتجاجات بمثابة ناقوس خطر يذكّر السلطات بأن معالجة ملف البطالة ليست مجرد مطلب اجتماعي، بل هي ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد. ويتطلع المتظاهرون إلى استجابة جدية من قبل الحكومة لمطالبهم، محذرين من استمرار التهميش والإقصاء الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على النسيج الاجتماعي التونسي.