
كشفت أحدث البيانات الصادرة عن منصة Numbeo العالمية، المتخصصة في تحليل مؤشرات كلفة المعيشة حول العالم، عن تصنيف سنوي يضع العاصمة التونسية في المرتبة الخامسة عشرة إفريقياً ضمن قائمة المدن الأعلى كلفة للعيش لسنة 2026. وقد سجلت تونس مؤشراً بلغ 30.7 نقطة، ما يبرز تحديات متواصلة تواجه الأسر التونسية في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة وتداعياتها على المستوى المعيشي.
وأظهر التقرير، الذي يرتكز على مقارنات شاملة لأسعار السلع والخدمات، أن مدينة أبيدجان الإيفوارية تصدرت الترتيب القاري بمؤشر بلغ 45.2 نقطة، مؤكدة مكانتها كواحدة من أغلى المدن الأفريقية من حيث كلفة المعيشة. تلتها عن كثب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بمؤشر 42.6 نقطة، بينما جاءت مدينة بريتوريا الجنوب إفريقية في المرتبة الثالثة بمؤشر 41.6 نقطة. وتعكس هذه الأرقام التباينات الكبيرة في مستويات الأسعار والخدمات عبر القارة السمراء، متأثرة بعوامل اقتصادية وجغرافية مختلفة.
وفي السياق المغاربي والإقليمي، جاءت العاصمة التونسية خلف عدد من المدن المغاربية البارزة، ما يضعها في موقع يتطلب مزيداً من التحليل الاقتصادي الدقيق. فقد أشار التقرير إلى أن مدناً مثل طنجة والدار البيضاء والرباط ومراكش في المغرب، قد سجلت مؤشرات أعلى في كلفة المعيشة، مما يعني أن تونس لا تزال في مستوى أقل نسبياً مقارنة ببعض جاراتها الإقليمية المباشرة، إلا أنها لا تزال ضمن النصف الأعلى من القائمة الإفريقية للمدن الأغلى معيشة.
ويعتمد تصنيف مؤشر كلفة المعيشة الصادر عن Numbeo على منهجية دقيقة تستند إلى مقارنة شاملة لأسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات الأساسية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الإنفاق اليومي للأفراد. وتشمل هذه المقارنات تكاليف السكن والنقل والمواد الغذائية وأسعار المطاعم والخدمات المتنوعة. ويتم احتساب هذا المؤشر انطلاقاً من مدينة نيويورك الأمريكية كمرجع عالمي، حيث يتم تحديد مؤشرها بـ 100 نقطة، لتُقارن بها جميع المدن الأخرى في العالم، مما يوفر مقياساً موحداً للمقارنة.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا المؤشر يُستخدم في المقام الأول لقياس الفوارق النسبية في كلفة المعيشة بين المدن المختلفة، وليس بالضرورة أن يعكس بشكل مباشر مستويات الدخل الفردي أو القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين في كل مدينة. كما أنه لا يتناول بشكل مباشر معدلات التضخم الرسمية أو متوسط الأجور، ما يجعله أداة تحليلية تكميلية تحتاج إلى سياقات اقتصادية واجتماعية أوسع لفهم الصورة الكاملة لتحديات المعيشة وجودتها في كل منطقة.
ويأتي تصنيف تونس العاصمة ضمن هذا المؤشر العالمي في سياق اقتصادي داخلي يتسم باستمرار الضغوط التضخمية وارتفاع متواصل في تكاليف عدد من المواد والخدمات الأساسية. فالتحديات المرتبطة بالحفاظ على القدرة الشرائية للأسر التونسية تتصدر أولويات النقاش الاقتصادي والاجتماعي، حيث يشعر المواطنون بشكل متزايد بوطأة ارتفاع الأسعار، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الغذاء والطاقة والنقل والسكن. هذا الوضع يستدعي مراجعة مستمرة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية لضمان استقرار نسبي للمستوى المعيشي وتقليل الأعباء عن كاهل الأسر.
ويُسلط هذا التصنيف الضوء على ضرورة تبني استراتيجيات اقتصادية مستدامة تهدف إلى التخفيف من حدة التضخم وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. ففي ظل التوقعات الاقتصادية العالمية والإقليمية، يبقى تحدي إدارة كلفة المعيشة وتحسين مؤشرات الرفاه الاقتصادي من أبرز القضايا التي تواجه صانعي القرار في تونس، وتتطلب حلولاً جذرية وتخطيطاً طويل المدى.