بعد كارثة المونديال... لا تسامح دون إقالة المكتب الجامعي ومساءلته!


لم يعد ممكناً التعامل مع ما حدث للمنتخب التونسي في كأس العالم 2026 على أنه مجرد تعثر رياضي أو سوء حظ عابر. فالمشاركة التونسية تحولت إلى واحدة من أكثر المشاركات إحباطاً في تاريخ كرة القدم الوطنية، بعدما تكبّد المنتخب سلسلة من الهزائم الثقيلة التي كشفت حجم التراجع الذي تعيشه الكرة التونسية على جميع المستويات.

فمنذ المباراة الأولى، ظهرت علامات الارتباك والعجز على أداء المنتخب، قبل أن تتوالى النتائج السلبية بشكل صادم. فقد سقط المنتخب أمام بلجيكا في مواجهة كشفت محدودية الحلول الفنية وغياب الشخصية داخل الملعب، ثم جاءت الهزيمة القاسية أمام السويد بنتيجة 5-1 لتدق ناقوس الخطر وتؤكد أن المنتخب يعاني أزمة أعمق بكثير من مجرد أخطاء ظرفية. لكن الصدمة الأكبر كانت أمام اليابان، حين تلقى نسور قرطاج رباعية نظيفة أكدت خروج المنتخب عملياً من المنافسة وكرست صورة باهتة لا تليق بتاريخ الكرة التونسية.

ثلاث هزائم متتالية، وأهداف بالجملة في الشباك، وعجز هجومي واضح، وأداء باهت على المستوى الفردي والجماعي. وهي حصيلة لا يمكن تبريرها أو التقليل من خطورتها، خاصة أن الجماهير التونسية كانت تنتظر مشاركة مشرفة تعكس التطور المفترض لكرة القدم الوطنية، فإذا بها تجد نفسها أمام منتخب عاجز عن مجاراة منافسيه أو فرض شخصيته في أي مباراة.

وإذا كان المدرب يتحمل جزءاً من المسؤولية بحكم الخيارات الفنية والتكتيكية، فإن المسؤولية الأكبر تبقى ملقاة على عاتق المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة القدم الذي أشرف على إدارة هذا الملف خلال السنوات الماضية. فالمونديال ليس حدثاً معزولاً، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات وخيارات تراكمت على امتداد فترة طويلة، سواء في ما يتعلق بالتخطيط أو التكوين أو إعداد المنتخبات الوطنية.

لقد اعتادت الجماهير في السنوات الأخيرة على سماع الوعود حول تطوير كرة القدم التونسية والارتقاء بمستوى المنتخبات الوطنية، غير أن الواقع أثبت عكس ذلك. فالمنتخب الذي كان يمثل أحد أبرز المنتخبات العربية والإفريقية أصبح عاجزاً عن مجاراة النسق الدولي، فيما تواصلت المشاكل الهيكلية داخل المنظومة الكروية دون حلول حقيقية.

وفي كل الاتحادات الرياضية المحترفة، تكون المحاسبة أمراً بديهياً بعد الإخفاقات الكبرى. فالمسؤول الذي يفشل في تحقيق الأهداف المرسومة يتحمل مسؤوليته ويغادر موقعه، احتراماً للجماهير وللمؤسسة التي يمثلها. أما في تونس، فإن الشارع الرياضي لا يزال ينتظر إلى حد الآن موقفاً واضحاً من المكتب الجامعي بعد هذه النتائج الكارثية.

ويعقد المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة القدم منذ ساعات اجتماعاً تشاورياً للنظر في الأوضاع الحالية لكرة القدم التونسية ومناقشة جملة من الملفات المطروحة على الساحة الرياضية. ووفق المعطيات المتوفرة، لم يصدر إلى حد الآن أي قرار رسمي بخصوص استقالة المكتب الجامعي، في انتظار ما ستسفر عنه أشغال الاجتماع والمشاورات الجارية بين الأعضاء.

غير أن حجم الغضب الجماهيري المتصاعد يوحي بأن مجرد البيانات أو التوضيحات لن تكون كافية هذه المرة. فالجماهير التي تابعت منتخبها وهو يسقط تباعاً أمام بلجيكا ثم السويد ثم اليابان، تريد قرارات حقيقية تعكس حجم الفشل الذي حصل، وتؤكد أن مبدأ المحاسبة لا يزال قائماً داخل الرياضة التونسية.

إن المطالبة بإقالة المكتب الجامعي اليوم ليست مجرد رد فعل عاطفي على نتائج سلبية، بل هي دعوة إلى تحمل المسؤولية وفتح صفحة جديدة لكرة القدم التونسية. فالإصلاح لا يمكن أن يبدأ دون تقييم جدي للأخطاء، ولا يمكن أن يستعيد الشارع الرياضي ثقته دون محاسبة واضحة لكل من ساهم في الوصول إلى هذا الوضع.

لقد خسرت تونس مباريات في السابق وخرجت من مسابقات عديدة، لكن ما حدث في مونديال 2026 تجاوز حدود الخسارة الرياضية ليصبح عنواناً لأزمة عميقة داخل المنظومة الكروية. ولذلك فإن المرحلة الحالية تفرض قرارات جريئة وشجاعة، تبدأ بتحمل المسؤولية السياسية والرياضية عن هذا الإخفاق، وتمهد لإعادة بناء مشروع كروي جديد يعيد للمنتخب هيبته ويمنح الجماهير أملاً في مستقبل أفضل.

أما الإبقاء على الوضع القائم والتعامل مع ما جرى وكأنه حادث عابر، فلن يكون سوى إهدار لفرصة المراجعة والإصلاح، وتكريساً لمسار التراجع الذي تعيشه كرة القدم التونسية منذ سنوات.

◾ سفيان. م
أحدث أقدم