شرعت فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي، المعروفة بالشرطة الجبائية، منذ بداية العام الحالي في مباشرة تحقيقات معمقة حول شبهات تلاعب بالأسعار في قطاع إنتاج الملح، وسط توقعات بخسائر مالية تقدر بمئات الملايين من اليوروهات لتونس. وتندرج هذه التحقيقات ضمن سلسلة أوسع من التحريات الجارية حول حوكمة الثروات الطبيعية الوطنية، وعلى رأسها قطاعا المحروقات والملح.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر رفيع المستوى بوزارة المالية، لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، بأن فرقة الأبحاث قد باشرت عمليات رقابية ميدانية واسعة، عززتها بعمليات تحليل واستقصاء شملت عدة جهات فاعلة في مجال إنتاج وتصدير الملح. وتهدف هذه التحركات الرقابية إلى تدقيق آليات الاستغلال والإنتاج في قطاع يدر عائدات مالية كبيرة، حيث تبرز شبهات قوية تتعلق بالتلاعب المالي والتهرب الجبائي، وما ينتج عنه من تكبيد الدولة خسائر مالية فادحة.
وتشمل عمليات التدقيق الحالية 14 شركة مستغلة للملاحات، أغلبها شركات ذات رأس مال أجنبي. وتغطي التحريات مواقع إنتاجية وفروعاً استراتيجية هامة تمتد على طول الشريط الساحلي التونسي، وتحديداً في ولايات صفاقس، جرجيس، قابس، المنستير، والمهدية، وسوسة، من خلال أكثر من 20 نقطة إنتاج معنية بجمع البيانات اللوجستية والمالية. ويعتبر ملف محاربة التهرب الضريبي والاقتصاد الموازي أحد أبرز التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه تونس.
وتشير المعطيات الأولية للتحقيقات إلى أن الشركات الأجنبية المنتصبة في تونس تقوم ببيع الملح المستخرج إلى شركات "أم" أو شركات واجهة تابعة لها في الخارج بأسعار منخفضة جداً لا تعكس قيمته السوقية الحقيقية. وفي المقابل، يتم إعادة ترويج هذا الملح في الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة جداً، قد تصل إلى مستويات أعلى بكثير من الأسعار المعلنة في تونس. وتختلف أسعار الملح عالمياً بشكل كبير حسب جودته وطريقة تعبئته واستخدامه، حيث يتراوح سعر ملح المائدة العادي بين 0.60 و1.50 يورو للكيلوغرام، بينما يمكن أن تصل أسعار الأملاح المميزة والمتخصصة إلى ما بين 10 و50 يورو للكيلوغرام أو أكثر.
هذا النمط من التلاعب المالي يؤدي، بحسب المصدر، إلى إبقاء العائدات المالية المسجلة في تونس ضعيفة وشبه منعدمة، بينما يتم تحويل الأرباح الحقيقية والضخمة إلى الخارج، مما يحرم الخزينة التونسية من موارد جبائية ونقدية هامة. وتؤكد التقارير الأولية أن هذا التلاعب يؤدي إلى خسائر سنوية تقدر بمئات الملايين من اليوروهات، مما يساهم في تفاقم العجز التجاري والمالي في ميزان المدفوعات.
تونس، كعضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تعمل على تفعيل المعايير الدولية لمكافحة التهرب الجبائي، بما في ذلك الاعتماد على طرق علمية لتحديد الأثمان الواجب تطبيقها في العمليات التجارية بين الشركات المترابطة. وقد شرعت جهات الرقابة في حجز وتدقيق كافة الوثائق المتعلقة بحجم المعاملات، والأرصدة المستخرجة، وشروط البيع، بهدف التحديد الدقيق والشفاف للأسعار وتجفيف منابع التهرب الجبائي عبر آلية "التصريح بالبيانات" خلال العشرين سنة الماضية.
تُعد فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي، التي تم إحداثها في أكتوبر 2017 وبدأت نشاطها الفعلي في يناير 2018، سلكاً خاصاً بالإدارة العامة للأداءات، يمارس وظائفه تحت إشراف الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف، ويرتكز عملها على مكافحة التهرب الضريبي عبر الكشف عن المخالفات الجبائية الجزائية وجمع الأدلة.
يبلغ حجم الإنتاج السنوي الإجمالي لتونس من مادة الملح نحو 2 مليون طن، وهو إنتاج مخصص في معظمه للتصدير. وتسيطر الشركات الأجنبية أو الشركات المملوكة لأجانب على النسبة الأكبر من هذا الإنتاج الضخم. وتؤكد المصادر الرسمية أن هذه التحقيقات لا تهدف إلى تخويف المستثمرين، بل إلى فرض احترام الاتفاقيات الدولية وحماية حقوق الدولة التونسية في ثرواتها وضمان الشفافية المطلقة في التعامل مع الشركاء الاقتصاديين.
