تواجه تونس مع مطلع هذا العام واحدة من أعقد العقبات الاقتصادية في تاريخها الحديث، حيث كشفت المؤشرات المالية الرسمية المتطابقة عن بلوغ حجم الدين العام الإجمالي للبلاد حاجزاً قياسياً يقارب 156 مليار دينار تونسياً، وهو ما يعادل قرابة 80% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفيما تسعى الحكومة جاهدة لتعبئة الموارد وتغطية العجز المالي عبر حزمة قروض جديدة وضخمة أقرتها موازنة العام الحالي، يتجه إصبع الاتهام الاقتصادي مباشرة نحو "المؤسسات العمومية" باعتبارها المحرّك الأساسي والهيكلي وراء هذا النزيف المالي المتواصل.
خسائر صادمة
ولم يعد الحديث عن أزمة الشركات الحكومية مجرد استنتاجات، بل توثقه تقارير رقابية رسمية صادرة عن محكمة المحاسبات التونسية، والتي كشفت مؤخراً عن خسائر مالية ضخمة تجاوزت المليار دينار في 11 مؤسسة ومنشأة عمومية فقط، من بينها الخطوط الجوية التونسية وديوان البحرية التجارية والموانئ. وقد وضع التقرير الرقابي الإصبع على الداء، مرجعاً هذا العجز المزمن إلى سوء التصرف الهيكلي، غياب الرقابة الصارمة، وصرف أجور ومنح خيالية دون موجب قانوني، مما حوّل هذه المنشآت من قاطرات للتنمية إلى أعباء ثقيلة تستنزف الخزينة العامة بشكل مستمر.
مديونية متقاطعة
وتُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية أن مديونية المؤسسات العمومية باتت شبكة معقدة وخانقة للاقتصاد المحلي، حيث تكشف الأرقام عن حجم مديونية متقاطعة، إذ تطالب الدولة هذه المؤسسات بنحو 11 إلى 12 مليار دينار تتوزع أساساً بين متأخرات جبائية وقروض تسبقات الخزينة التي ضُخت لإنقاذها من الإفلاس. وفي المقابل، تطالب 42 منشأة عمومية الدولة بمستحقات تتجاوز هي الأخرى 12 مليار دينار نتيجة لسياسة الدعم غير المدفوع، وتأتي في صدارة هذه الجهات الدائنة الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) بنسبة 33%، يليه ديوان الحبوب بحوالي 2.2 مليار دينار، ناهيك عن الأزمة المزمنة للصناديق الاجتماعية التي تجاوز عجزها المتراكم حاجز الـ 2.8 مليار دينار.
وأمام هذا الوضع الحرج ولتأمين استمرارية هذه الشركات ومنع انهيار خدماتها الحيوية، رخّص قانون المالية لوزارة المالية منح "ضمان الدولة" لقروض وإصدارات لصالح هذه المنشآت بسقف أقصى يصل إلى 7 مليارات دينار لضمان بقائها على قيد الحياة المادية.
النزيف مستمر والاصلاح غائب
إن هذا التشابك المالي يعكس حلقة مفرغة خطيرة تهدد الاستقرار المالي المباشر، فالشركات العمومية تعجز عن سداد ديونها للمزودين الخارجيين أو البنوك، فتضطر الدولة للتدخل كضامن مالي أو ضخ سيولة مباشرة من ميزانيتها، ولتوفير هذه السيولة، تجد الحكومة نفسها مجبرة على تكثيف الاقتراض السنوي بنحو 19.1 مليار دينار داخلياً (منها 11 مليار دينار مباشرة من البنك المركزي) و6.8 مليار دينار خارجياً، مما يدفع بالدين الإجمالي للبلاد إلى مستويات الـ 156 مليار دينار.
ويجمع خبراء الاقتصاد في تونس اليوم على أن أي خطة إنقاذ أو إصلاح مالي لن تؤتي ثمارها ما لم يتم التوجه فوراً وبجرأة نحو تفكيك لغز المؤسسات العمومية، وإعادة هيكلتها إدارياً ومالياً، ووقف نزيف ضمانات الدولة التي تحولت إلى أداة لترحيل الأزمات بدلاً من حلها، لتجد تونس نفسها اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما جراحة قيصرية عاجلة لهذه المنشآت، أو الاستمرار في دفع فاتورة ديون ستثقل كاهل الأجيال القادمة.
Tags
اقتصاد