تعمل وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري على مراجعة الإطار التشريعي المنظم لإعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة، عبر إعداد مشروع أمر جديد يعتمد تصنيفًا لجودة المياه حسب مجالات استعمالها، ويحدد المخاطر وإجراءات السلامة الواجب اعتمادها. ويأتي هذا التحرك في إطار تنفيذ استراتيجية المياه في أفق سنة 2050، التي تسعى إلى تحقيق أمن مائي مستدام في ظل التحديات المناخية والندرة المتزايدة للموارد.
وكشف ممثلو الوزارة، خلال جلسة استماع عقدتها لجنة القطاعات الإنتاجية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، أن الاستراتيجية تهدف إلى تثمين 70 بالمائة من المياه المعالجة واستعمالها في الأغراض الفلاحية والاقتصادية والإيكولوجية، مع تخصيص 53 بالمائة من الاعتمادات المرصودة للاستراتيجية لبرامج تثمين المياه المعالجة في المجال الفلاحي. ويؤكد هذا التوجه رغبة الحكومة في تحويل هذه الموارد غير التقليدية إلى رافعة حقيقية للتنمية.
وفي سياق متصل، أوضح المسؤولون أن استراتيجية المياه ترتكز على أربعة محاور رئيسية تتفرع عنها 43 برنامجًا و1200 إجراء، من أبرزها تعبئة الموارد المائية، وتحسين مردودية شبكات مياه الشرب والري، وتحلية مياه البحر، والمحافظة على الأراضي الفلاحية، وتثمين مياه الأمطار، والاعتماد على الطاقات المتجددة. وتشكل هذه المحاور إطارًا متكاملاً لمواجهة الإجهاد المائي الذي تعاني منه البلاد.
من جهة أخرى، أشار ممثلو الوزارة إلى أن استعمال المياه المعالجة يشمل حاليًا 36 منطقة سقوية موزعة على 17 ولاية بمساحة مهيأة تناهز 7819 هكتارًا، في حين لا تتجاوز المساحات المستغلة فعليًا 2778 هكتارًا، أي 36 بالمائة من إجمالي المساحات المهيأة. ولم تتجاوز الكميات المستعملة خلال سنة 2025 نسبة 10 بالمائة من إجمالي المياه المعالجة المنتجة، مما يكشف عن فجوة كبيرة بين الإمكانيات والاستغلال الفعلي.
وعلى صعيد آخر، بيّن ممثلو الوزارة أن أبرز التحديات تتمثل في عدم استقرار جودة المياه، وعزوف عدد من الفلاحين عن استخدامها، خاصة في ولايات الشمال، إلى جانب تقادم شبكات الري، وضعف تعريفة المياه، ومحدودية الزراعات المرخص في ريها بهذه المياه، وطول إجراءات الحصول على التراخيص. وتتطلب هذه المعوقات إصلاحات جذرية لتحفيز الفلاحين والمستثمرين على الانخراط في هذا التوجه.
وحول المخطط المستقبلي، أكد المسؤولون أنه يتضمن إنجاز 120 مشروعًا لتثمين المياه المعالجة، من بينها تهيئة مناطق سقوية تمتد على نحو 56 ألف هكتار، ومشاريع لشحن الموائد المائية، وري المساحات الخضراء وملاعب الصولجان، وتوفير المياه للاستعمالات الصناعية. ويهدف هذا البرنامج الطموح إلى تثمين أكثر من 70 بالمائة من المياه المعالجة المنتجة بحلول سنة 2050، مما سيساهم في تقليص الضغط على الموارد المائية التقليدية.
الجدير بالذكر أن برنامج الإصلاح يشمل أيضًا إعداد منصة إلكترونية وطنية لتجميع معطيات مشاريع إعادة استعمال المياه المعالجة وإتاحتها لمختلف المتدخلين، إلى جانب تنفيذ مشاريع جديدة ضمن مخطط التنمية 2026-2030 بالشراكة مع عدد من المانحين الدوليين، من بينهم البنك الدولي، والوكالة الفرنسية للتنمية، والبنك الإفريقي للتنمية، والجانب الإيطالي. وتعكس هذه الشراكات الدولية التزام تونس بالاستثمار في حلول مبتكرة لمواجهة تحديات المياه.