
أقرت الحكومة الائتلافية الألمانية، اليوم، مشروع ميزانية عام 2027، والتي تحمل في طياتها ملامح مرحلة اقتصادية جديدة تركز بشكل أساسي على تعزيز الإنفاق الدفاعي وضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتحول الأخضر. ويأتي هذا الإقرار بعد أسابيع من المفاوضات العسيرة بين أطراف الائتلاف الحاكم بقيادة المستشار أولاف شولتس، في خطوة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الانضباط المالي الذي يفرضه الدستور والمتطلبات الجيوسياسية والاقتصادية الملحة.
وتشير مسودة الميزانية الجديدة إلى توجه برلين نحو زيادة مخصصات الدفاع لضمان تلبية معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، المتمثلة في إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الشؤون العسكرية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية مع اقتراب نفاد الصندوق الخاص المخصص لتحديث الجيش الألماني، والذي بلغت قيمته 100 مليار يورو عقب اندلاع الأزمة الأوكرانية، مما استوجب دمج هذه النفقات المتزايدة مباشرة في صلب الموازنة العامة للدولة لعام 2027 وما بعده.
إلى جانب الشق الدفاعي، تولي الميزانية المقرة أهمية قصوى لـ ملف الاستثمارات العامة، حيث خصصت الحكومة مبالغ قياسية لتحديث شبكة السكك الحديدية المتهالكة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم المشاريع الصناعية الصديقة للبيئة. وتسعى برلين من خلال هذه الحزم الاستثمارية إلى تحفيز الاقتصاد الألماني الذي يعاني من ركود نسبي وتراجع في القدرة التنافسية مقارنة بالقوى الاقتصادية العالمية الأخرى.
ومع ذلك، واجهت صياغة الميزانية تحديات دستورية وسياسية بالغة التعقيد، متمثلة في التزام ألمانيا بـ "كبح جماح الديون" (Schuldenbremse)، وهو بند دستوري يفرض قيوداً صارمة على الاقتراض الجديد. وقد تطلب هذا القيد القانوني تسويات صعبة بين وزير المالية كريستيان ليندنر، المدافع عن التقشف المالي، وشريكيه في الائتلاف (الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر) اللذين كانا يدفعان نحو مزيد من الإنفاق التوسعي لدعم البرامج الاجتماعية والمناخية.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن ميزانية عام 2027 تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة ألمانيا على التوفيق بين استقرارها المالي التقليدي وحاجتها الماسة للتحديث الهيكلي. فبينما يرحب قطاع الصناعة بالاستثمارات المقررة، تبقى هناك مخاوف من أن تؤدي الضغوط المالية إلى تقليص النفقات في قطاعات خدمية أخرى، مما قد ينعكس على المشهد السياسي الداخلي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.