
كشفت مصادر مطلعة وتقارير صحفية دولية، نقلاً عن وكالة رويترز للأنباء، عن قيام الحرس الثوري الإيراني بإعادة تموضع واسعة النطاق لقواته وكبار مستشاريه العسكريين داخل الأراضي العراقية. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في ظل تصاعد حدة التوترات الإقليمية والمخاوف المتزايدة من استهداف القيادات الإيرانية في ضربات جوية منسقة، لاسيما بعد سلسلة الهجمات الأخيرة التي طالت مقار ومستشاري طهران في كل من سوريا والعراق.
وأوضحت التقارير الإخبارية أن قيادة الحرس الثوري قررت تقليص الوجود المباشر لضباطها رفيعي المستوى في المواقع العسكرية المكشوفة، والاعتماد بشكل أكبر على شبكات الفصائل المحلية الحليفة لإدارة العمليات الميدانية واللوجستية. هذا التوجه الجديد يهدف بالأساس إلى تقليل الخسائر البشرية في صفوف الكوادر القيادية الإيرانية، وحماية قنوات الاتصال والتمويل الحيوية التي تربط طهران بحلفائها في المنطقة، دون إضعاف نفوذها الاستراتيجي في العراق.
وفي هذا السياق، يشير مراقبون سياسيون إلى أن عملية إعادة التموضع تتضمن نقل مراكز القيادة والتحكم إلى مناطق أكثر أماناً، واستخدام أساليب تمويه متطورة للتحركات والاتصالات. وتأتي هذه التطورات بعد أن شهدت الأشهر الماضية ضربات دقيقة وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل لعدة أهداف وشخصيات بارزة مرتبطة بالنفوذ الإيراني، مما دفع طهران إلى إجراء مراجعة شاملة لخططها الأمنية والانتشار الميداني لمستشاريها في المنطقة.
من جانب آخر، يضع هذا التموضع الجديد الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني أمام تحديات سياسية وأمنية بالغة التعقيد. إذ تسعى بغداد جاهدة للحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية، لا سيما مع واشنطن التي تقود التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ومع طهران التي تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً عميقاً داخل الساحة العراقية. وتحاول الحكومة العراقية جاهدة تجنب تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وتجدر الإشارة إلى أن النفوذ الإيراني في العراق يرتكز على شبكة معقدة من العلاقات السياسية والعسكرية مع مختلف فصائل الحشد الشعبي. ويرى خبراء في الشؤون الاستراتيجية أن تراجع الحضور العلني للحرس الثوري لا يعني بأي حال من الأحوال تراجع النفوذ الإيراني، بل يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من الإدارة غير المباشرة، تعتمد على تعزيز قدرات الفصائل المحلية وتفويضها بمهام أوسع، وهو ما قد يزيد من صعوبة تعقب الأنشطة الإيرانية أو استهدافها بشكل مباشر من قبل الأطراف المناوئة.
وفي المحصلة، يجمع المحللون على أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجي تفرض على كافة القوى الفاعلة التكيف مع قواعد الاشتباك الجديدة. وتظل الساحة العراقية إحدى أهم جبهات هذا الصراع الصامت والمستمر، حيث يعكس إعادة تموضع الحرس الثوري الإيراني رغبة طهران في الحفاظ على نفوذها الإقليمي بأقل التكاليف الممكنة وتجنب المواجهة المباشرة التي قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب العواقب.