أزمة في قطاع الصحة : الصيادلة يعلقون اتفاقية "الكنام"!


شهد قطاع الصحة في تونس تطوراً مثيراً للقلق بقرار النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة تعليق العمل بالاتفاقية القطاعية المبرمة مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، مما يضع مئات الآلاف من المواطنين المؤمنين اجتماعيًا أمام واقع مالي واجتماعي صعب، حيث بات يتوجب عليهم دفع الثمن الكامل للأدوية عند اقتنائها من الصيدليات الخاصة دون التمتع بنظام الاستخلاص المباشر أو ما يعرف بمنظومة "الطرف الدافع".

وتأتي هذه الخطوة التصعيدية من طرف الهياكل النقابية الممثلة للصيادلة في تونس بعد أشهر من المفاوضات المتعثرة وسلسلة من التحذيرات التي وجهت إلى السلطات الحكومية وصندوق التأمين على المرض، حيث يطالب المهنيون بـتسوية المستحقات المالية المتراكمة لفائدة الصيدليات والالتزام بالآجال التعاقدية لصرف تلك المستحقات، والتي شهدت تأخيراً كبيراً تسبب في أزمة سيولة خانقة لأغلب أصحاب الصيدليات، مما بات يهدد قدرتهم على التزود بالأدوية من شركات التوزيع بالجملة والإيفاء بمسؤولياتهم المهنية والمالية.

وأوضح مراقبون في الشأن التونسي أن هذا القرار ستكون له ارتدادات مباشرة وقاسية على القدرة الشرائية للمواطن التونسي، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة الذين يعتمدون بشكل حيوي على الأدوية الدورية مرتفعة الثمن، وفي ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة وتدهور القوة الشرائية، فإن مطالبة المرضى بدفع المبالغ كاملة مسبقاً ثم انتظار استرجاع مصاريفهم من الصندوق يمثل عائقاً حقيقياً يحول دون وصول شريحة واسعة من التونسيين إلى علاجهم الأساسي.

وتعكس هذه الأزمة عمق الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها منظومة الضمان الاجتماعي في تونس، وتحديداً الصندوق الوطني للتأمين على المرض، الذي يواجه بدوره عجزاً مالياً متفاقماً ناتجاً عن تراجع التحويلات المالية المتأتية من الصناديق الاجتماعية الأخرى مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، وهي معضلة تتطلب إصلاحاً جذرياً وشاملاً لمنظومة الحماية الاجتماعية والصحية في البلاد لتفادي تكرار مثل هذه الهزات التي تمس الأمن الصحي للمواطن.

في المقابل، دعت جمعيات ومنظمات الدفاع عن المستهلك في تونس رئاسة الحكومة ووزارة الشؤون الاجتماعية إلى التدخل العاجل لفرض التهدئة وإيجاد حلول توافقية عاجلة تضمن حقوق المهنيين من جهة، وتحمي حق المواطن الدستوري في الصحة والعلاج من جهة أخرى، محذرة من مغبة استمرار هذا الشلل الذي قد يدفع بالبلاد نحو أزمة صحية وإنسانية معقدة لا يمكن التنبؤ بتبعاتها على المدى المتوسط والبعيد.

أحدث أقدم