تخوض تونس منعرجاً اقتصادياً حاسماً مع انطلاق مخططها التنموي الخماسي الجديد (2026-2030)، وهو المخطط الذي يأتي في ظرفية دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتسم بتقلبات أسواق الطاقة والابتكار التكنولوجي المتسارع، إلى جانب تزايد الضغوط المناخية. وتتجه الأنظار في تونس نحو قصر الحكومة بالقصبة وباحة مجلس نواب الشعب، حيث تُجرى مناقشات معمقة حول صياغة التوجهات الكبرى للاقتصاد الوطني للخمس سنوات القادمة. وفي قلب هذه التوجهات، برز رقم استأثر باهتمام الخبراء والمحللين والمؤسسات المالية الدولية على حد السواء، استهداف نسبة نمو سنوي تقدّر بـ 4.2% بالأسعار القارة كمعَدّل عام طيلة فترة المخطط.
هذه النسبة الطموحة ليست مجرد مؤشر إحصائي جاف، بل تعكس في جوهرها تحولاً فلسفياً واستراتيجياً عميقاً في عقيدة الدولة التونسية، التي باتت ترفع شعار "التعويل على الذات" والسيادة الاقتصادية كركيزة أساسية لبناء المنظومة الوطنية الجديدة. غير أن صياغة الأهداف على الورق هي مسار، وجعلها واقعاً تعيشه قنوات الإنتاج ،وميزانيات العائلات مسار آخر تماماً. وتفتح هذه القفزة المستهدفة باباً واسعاً من التساؤلات المشروعة بين التفاؤل الحكومي المدعوم بإجراءات تشريعية وهيكلية مرتقبة، وبين التحفظات والقراءات النقدية القادمة من الدوائر الأكاديمية والشركاء الماليين الدوليين، مما يفرض تفكيكاً دقيقاً لمعادلة النمو المرتقب وحقول الألغام التي تعترضها.
قراءة في الطموح والواقعية
تظهر الفجوة الرقمية واضحة بشكل جلي عند وضع الأهداف الرسمية التونسية في كفة، وتوقعات الشركاء الماليين والمؤسسات الدولية في الكفة المقابلة. ففي الوقت الذي تبني فيه وزارة الاقتصاد والتخطيط التونسية نموذجها الرياضي على أساس نسق تصاعدي للنمو يتوج بنسبة 5.1% في أفق سنة 2030، ليكون المعدل السنوي للخماسية في حدود 4.2%، تبدو تقديرات المؤسسات المانحة أكثر حذراً وميلاً للمحافظة. إذ يشير البنك الإفريقي للتنمية، في أحدث تقاريره لآفاق الاقتصاد الإقليمي، إلى أن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي في تونس لن تتجاوز 2.1% لعام 2026، مع إمكانية تحسنها الطفيف لتصل إلى 2.8% في عام 2027، شريطة استقرار المناخ الزراعي وتدفق عائدات الفسفاط.
ولفهم حجم القفزة المطلوبة، يكفي الالتفات إلى الأداء التاريخي القريب للاقتصاد التونسي، حيث سجلت البلاد نمواً متواضعاً لم يتجاوز 1.4% في عام 2024، وتحسناً نسبياً قُدّر بنحو 2.5% في عام 2025. ورغم أن الأرقام الرسمية الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء حملت مؤشرات مشجعة نسبياً بتحقيق نمو قارب 2.6% خلال الثلاثي الأول من عام 2026، إلا أن الانتقال المستدام والمستقر فوق حاجز الـ 4% يتطلب أكثر من مجرد تحسن ظرفي، بل يستدعي مضاعفة وتيرة النشاط الاقتصادي الحالي ثلاث مرات وضخ دماء جديدة بالكامل في شرايين الاستثمار الوطني والأجنبي.
ولعل الهدف الأكثر إثارة للجدل في الوثيقة التوجيهية للمخطط هو الطموح إلى رفع الدخل السنوي الفردي للمواطن التونسي بنسبة زيادة سنوية تناهز 6.5%. ووفقاً لهذه الحسابات، من المستهدف أن يقفز متوسط الدخل الفردي من 4496 دولاراً المسجل في عام 2025 إلى نحو 7424.3 دولاراً (ما يعادل قرابة 21530.5 ديناراً تونسياً) بحلول عام 2030. هذا التطور، في حال تحققه، سيعيد تموقع تونس ضمن الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل عالمياً، وهو رهان اجتماعي وسياسي ثقيل يضع مصداقية المخطط التنموي على المحك أمام الشارع التونسي.
من الورق إلى الميدان
تستند الرؤية التنموية التي تصيغها الحكومة للخماسية القادمة على حزمة من المحركات القطاعية والهيكلية التي يُفترض أن تقود قاطرة النمو. وتتوقع وثائق المخطط أن يكون القطاع الصناعي هو المحرك الأول، حيث يُستهدف تحقيق معدل نمو صناعي بـ 5.1% سنوياً، مدفوعاً أساساً باستعادة قطاع الطاقة والفسفاط لنسقه الطبيعي وتطوير الصناعات المعملية والميكانيكية. ويأتي قطاع الخدمات في المرتبة الثانية بمعدل نمو مستهدف يبلغ 4.2%، مع الرهان على الخدمات الرقمية ذات القيمة المضافة العالية، تليها الفلاحة بمعدل 3.1% كصمام أمان للأمن الغذائي الوطني، عبر خطة تطمح للوصول إلى إنتاج مستقر بـ 20 مليون قنطار من الحبوب ومتوسط 2 مليون طن من زيت الزيتون في أفق 2030، رغم التحديات الشديدة التي يفرضها التغير المناخي وشح المياه.
أما على الصعيد العملي، فإن المخطط يعتمد على مقاربة تشاركية جديدة بدأت من القاعدة إلى القمة، حيث تلقت وزارة الاقتصاد والتخطيط ما يناهز 40.748 مقترح مشروع تنموي من مختلف أقاليم البلاد، استأثرت المجالس المحلية والجهوية بنحو 85% منها. هذه المشاريع خضعت لعمليات غربلة فنية مكثفة لتصفيتها وترتيب أولوياتها بناءً على الجدوى الاقتصادية والقدرة التشغيلية، لتشكل النواة الصلبة للاستثمارات العمومية والخاصة المقترحة.
بالتوازي مع هذه المشاريع، تطلق الدولة التونسية من خلال هذا المخطط ما يمكن وصفه بـ "المعركة التاريخية" لإدماج الاقتصاد الموازي في الدورة المنظمة. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الحكومة تسعى جاهدة لاستقطاب أكثر من 50% من الأنشطة والكتل النقدية التي تدور حالياً في الفضاء غير المنظم.ا والنجاح في هذا المسار لا يعني فقط إنعاش الخزينة العامة وتوسيع الوعاء الضريبي، بل يهدف بالأساس إلى رفع نسبة تعبئة الموارد الذاتية للدولة لتتجاوز 80% من مجموع الموارد العمومية للميزانية، وهو ما يدعم بشكل مباشر فلسفة "التعويل على الذات" ويقلل الحاجة للاقتراض المنهك. ولا تكتمل هذه الرؤية إلا بفرض الرقمنة الشاملة والمُلزمة للمنظومات المالية، الجبائية، والديوانية، لقطع دابر البيروقراطية ،وتسريع المعاملات التجارية ،وبناء مناخ أعمال شفاف يغري المستثمرين.
إكراهات هيكلية معقدة
رغم متانة الصياغة النظرية للمخطط الخماسي، فإن تحويل هذه الأرقام والنسب إلى واقع ملموس يصطدم بثلاثة إكراهات هيكلية كبرى تمثل حقول ألغام حقيقية، مع توجه حذر وصارم من الدولة التونسية لخفض المديونية العامة إلى حدود 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وتقليص عجز الميزانية ليكون في حدود 3% فقط بحلول عام 2030. هذا التوجه الانكماشي الطوعي في مجالي الاقتراض الخارجي وعجز الميزانية يعني ببساطة أن الدولة لن تقود الاستثمار عبر الإنفاق العمومي الضخم كما كان يحدث في عقود سابقة. وبناءً عليه، يقع العبء بالكامل على عاتق الاستثمار الخاص المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وتستهدف الحكومة في هذا السياق استقطاب نحو 4 آلاف مليون دينار كاستثمارات أجنبية خلال سنة 2026 كحجر أساس للمخطط، وهو رقم يبدو بعيد المنال إذا قارناه بحجم التدفقات التي تم تسجيلها في فترات سابقة والتي لم تتجاوز 1303.9 مليون دينار في فترات قريبة. ودون ثورة تشريعية حقيقية وجريئة تضمن مرونة كاملة في حركة رؤوس الأموال وتبسيط الإجراءات الإدارية، فإن توفير هذا الحجم الهائل من التمويلات سيبقى العقدة الأكبر في منشار المخطط.
شح السيولة المصرفية وكسر حلقة التمويل
تتعلق العقبة الثانية بوضعية القطاع المصرفي التونسي، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة على مستوى السيولة نتيجة التمويل المتصاعد للحاجيات الظرفية للميزانية العامة للدولة عبر آليات الاكتتاب في رقاع الخزينة والقروض المباشرة. هذا الدور الحمائي الذي تلعبه البنوك لتمويل نفقات الدولة، يمتص جزءاً كبيراً من الموارد المالية المتاحة في السوق، مما يحد بقوة من قدرة الجهاز المصرفي على التوسع في لعب دوره الطبيعي كرافعة نمو أساسية، فتمويل المشاريع الاستثمارية الخاصة الكبرى، ودعم الهياكل الإنتاجية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وضخ السيولة في شرايين الشركات الناشئة، يتطلب وفرة مالية لا يملكها القطاع المصرفي حالياً بالزخم الكافي القادر على توليد نمو يتجاوز حاجز الـ 4%.
التوازن الحرج بين كبح التضخم والوفاء بالوعود الاجتماعية
يضع المخطط الخماسي أيضا ،أهدافاً اجتماعية دقيقة وحاسمة لضمان السلم الاجتماعي، أبرزها تقليص نسبة الفقر إلى أقل من 15%، والنزول بمعدلات البطالة العامة لما دون عتبة الـ 15%، بالتوازي مع محاصرة التضخم وحفظ الاستقرار النقدي في حدود 4.8% (علماً أن نسبة التضخم مستقرة حالياً حول مستويات 5.5% في ماي 2026). المعضلة الاقتصادية الكلاسيكية هنا تكمن في تضارب الأدوات، فالسياسات النقدية والمالية الصارمة المطلوبة لكبح جماح التضخم والتحكم في الأسعار والحفاظ على قيمة الدينار التونسي، هي في الغالب سياسات انكماشية تحد من الاستهلاك والإنفاق. وفي المقابل، فإن خلق مواطن شغل جديدة بالآلاف وخفض البطالة يحتاج إلى سياسات توسعية تحفز الطلب الداخلي والاستثمار، مما يجعل السير على هذا الحبل المشدود واحداً من أصعب الاختبارات التي ستواجهها الحكومة التونسية والبنك المركزي في السنوات القادمة.
من التخطيط إلى التنفيذ
في المحصلة النهائية، يمكن القول إن استهداف نسبة نمو بـ 4.2% للاقتصاد التونسي ليس درباً من الخيال أو مستحيلاً مطلقاً، فالبلاد تمتلك هوامش تحرك واسعة ،وغير مستغلة بالكامل في قطاعات استراتيجية واعدة كالصناعات الرقمية، الطاقات المتجددة والنظيفة، اللوجستيات، إلى جانب الثروات التقليدية كالفسفاط ومشتقاته. لكن العبرة في أدبيات الاقتصاد لا تكمن في جودة التخطيط بل في كفاءة التجسيم.
ويظل النجاح في كسب هذا الرهان المصيري مشروطاً بمدى سرعة وجرأة الإدارة التونسية في الانتقال من مرحلة "النصوص والخطط على الورق" إلى مرحلة "التنفيذ الفعلي" للمشاريع على أرض الواقع، وتحرير المبادرة الاقتصادية من الأغلال البيروقراطية، وتهيئة مناخ تشريعي يحول تونس إلى مغناطيس للاستثمارات الإقليمية والدولية. ودون هذه الجرأة، سيبقى رقم 4.2% مجرد أمنية تنموية في انتظار خماسية أخرى.
