
تتعرض القارة الأوروبية حالياً لواحدة من أشد موجات الحر وأعنفها في تاريخها الحديث، وذلك في أعقاب اجتياح كتلة هوائية شديدة السخونة لمعظم أنحائها. وقد أسفرت هذه الموجة عن ارتفاع مقلق في حصيلة الوفيات، وفرضت ضغوطاً غير مسبوقة على المنظومات الصحية وشبكات النقل، وسط تحذيرات متواصلة من استمرار الأجواء القاسية خلال الأيام المقبلة. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن حوالي 150 مليون شخص يتأثرون بدرجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، بينما سجلت عدة دول أرقاماً قياسية لم يسبق لها مثيل، مع امتداد الموجة من غرب القارة إلى وسطها وشرقها.
وفي سياق متصل، أظهرت أحدث البيانات أن إسبانيا وحدها شهدت تسجيل 327 وفاة مرتبطة بالحرارة منذ الحادي والعشرين من يونيو، وفقاً لما أفاد به معهد كارلوس الثالث للصحة. هذا الرقم يرفع الإجمالي الكلي للوفيات المرتبطة بموجة الحر في عموم أوروبا إلى مستوى أعلى مما كانت عليه التقارير الأولية قبل أيام. كما سجلت فرنسا وفيات جراء الحرارة المرتفعة، إضافة إلى عشرات حالات الغرق مع توجه الآلاف إلى الشواطئ والأنهار بحثاً عن بعض الانتعاش. وأعلنت دول أوروبية أخرى عن وفيات وإصابات متعددة ناجمة عن الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
وعلى صعيد درجات الحرارة، فقد واصلت الأرقام القياسية الانهيار في عدة بلدان أوروبية، حيث تجاوزت 41 درجة مئوية في بعض مناطق ألمانيا، بينما سجلت فرنسا وسويسرا والدنمارك وجمهورية التشيك أرقاماً قياسية جديدة لشهر يونيو. وفي المملكة المتحدة، سُجلت أعلى درجات حرارة لشهر يونيو منذ بدء عمليات الرصد. وفي مواجهة هذه الأوضاع، فرضت السلطات في إيطاليا وإنجلترا وفرنسا إجراءات استثنائية لحماية السكان، شملت إغلاق المدارس، وإلغاء فعاليات جماهيرية، وإصدار تحذيرات صحية واسعة النطاق.
وقد أدت موجة الحر هذه إلى ارتفاع هائل في أعداد المصابين بالإجهاد الحراري، مما وضع أقسام الطوارئ في العديد من المستشفيات، لا سيما في فرنسا وبريطانيا، تحت ضغط شديد. كما تأثرت شبكات السكك الحديدية والطرق بشكل ملحوظ بفعل تمدد القضبان الحديدية وتشقق بعض الطرق الإسفلتية، في حين شهدت عدة مطارات وشبكات نقل تأخيرات وإلغاءات، وفي الوقت ذاته، ارتفع استهلاك الكهرباء والمياه إلى مستويات قياسية مع سعي السكان للتخفيف من حدة الحرارة.
وامتدت التداعيات السلبية لهذه الموجة إلى القطاع الزراعي، حيث انخفض منسوب الأنهار وارتفعت مخاطر الجفاف بشكل حاد، خاصة في إيطاليا وألمانيا. وتزايدت المخاوف من اندلاع حرائق الغابات في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التحديات البيئية. ويرى خبراء أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة سيؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي وإنتاجية العمال، بالإضافة إلى زيادة الضغوط على شبكات الطاقة والتأمين والخدمات الصحية.
وفيما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، يرجع خبراء الأرصاد هذه الموجة إلى ظاهرة تُعرف بـ "القبة الحرارية". هذه الظاهرة تتشكل عندما يؤدي نظام ضغط جوي مرتفع إلى احتجاز الهواء الساخن فوق القارة ومنع تبدده، مما يسمح بتراكم الحرارة يوماً بعد يوم. ويؤكد علماء المناخ أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية قد جعل موجات الحر أكثر شدة وتكراراً، محذرين من أن أوروبا باتت القارة الأسرع احتراراً في العالم، مع توقع استمرار الظواهر الجوية المتطرفة خلال السنوات المقبلة.