تونس وإيطاليا في مواجهة دبلوماسية مع ليبيا بالأمم المتحدة

تشهد أروقة الأمم المتحدة حراكاً دبلوماسياً متصاعداً إثر بروز خلافات قانونية وسياسية حادة بين كل من تونس وإيطاليا من جهة، وليبيا من جهة أخرى، تتعلق بملف ترسيم الحدود البحرية وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط. ويأتي هذا التطور بعد تقديم تونس وروما اعتراضات رسمية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة ضد الإعلان الليبي أحادي الجانب بشأن حدود منطقته الاقتصادية الخالصة، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذبات الإقليمية حول موارد الطاقة والسيادة البحرية.

وتعود جذور الأزمة الأخيرة إلى قرار السلطات الليبية في طرابلس، الصادر في أواخر العام الماضي، والذي حدد بموجبه خطوطاً جديدة للمنطقة الاقتصادية الخالصة لليبيا في البحر المتوسط. واعتبرت تونس وإيطاليا أن هذا الإجراء الليبي يمثل تجاوزاً للمواثيق الدولية المعمول بها، لاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، حيث تتداخل الحدود المقترحة من الجانب الليبي مع المناطق الاقتصادية والسيادية التابعة للبلدين الجارين، وهو ما يستدعي مفاوضات مباشرة بدلاً من اتخاذ قرارات أحادية الجانب.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن تونس وجهت مراسلة رسمية إلى منظمة الأمم المتحدة عبرت فيها عن رفضها القاطع للترسيم الليبي الجديد، مشيرة إلى أنه يمس بـالحقوق السيادية التاريخية لتونس في الجرف القاري والمناطق البحرية الحيوية. من جانبها، اتخذت إيطاليا خطوة مماثلة بالتنسيق مع الجانب التونسي، مؤكدة على ضرورة التزام كافة الأطراف بحدود الترسيم المتفق عليها دولياً، وتجنب اتخاذ أي خطوات قد تقوض الاستقرار والأمن البحري في هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة التي تعد معبراً رئيساً للتجارة والطاقة نحو أوروبا.

وفي المقابل، تدافع السلطات الليبية عن موقفها بالقول إن إعلان منطقتها الاقتصادية الخالصة يقع ضمن حقوقها السيادية المشروعة لحماية ثرواتها البحرية والنفطية، وتأمين حدودها المائية في ظل التحديات الأمنية المستمرة. ويرى مراقبون أن الخطوة الليبية تهدف أيضاً إلى تعزيز موقف طرابلس في أي مفاوضات مستقبلية حول التنقيب عن الغاز والنفط في حوض شرق المتوسط، وهو الملف الذي بات يستقطب اهتماماً دولياً واسعاً إثر أزمة الطاقة العالمية.

ويعيد هذا النزاع إلى الأذهان الخلاف التاريخي الشهير بين تونس وليبيا حول الجرف القاري في ثمانينيات القرن الماضي، والذي حسمته محكمة العدل الدولية في عام 1982 بقرار تاريخي رسم الحدود البحرية بين البلدين. ومع ذلك، فإن بروز تقنيات التنقيب الحديثة واكتشاف حقول غاز واعدة في البحر المتوسط أعاد إشعال ملف الحدود البحرية مجدداً، لاسيما مع سعي إيطاليا لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتوزيع الطاقة في أوروبا عبر إبرام شراكات استراتيجية مع دول شمال إفريقيا.

ويتوقع خبراء القانون الدولي أن تدفع هذه الاعتراضات المتبادلة أمام الأمم المتحدة الأطراف الثلاثة إلى طاولة المفاوضات التقنية والفنية للوصول إلى تسوية ترضي الجميع، حيث يمنع القانون الدولي فرض حدود بحرية بشكل أحادي في حال وجود تداخل مع دول مجاورة. ويبقى الحوار الدبلوماسي المباشر هو السبيل الأمثل لتفادي تصاعد الخلافات وضمان تواصل التعاون الاقتصادي والأمني الوثيق بين تونس وإيطاليا وليبيا في منطقة حوض المتوسط.

أحدث أقدم