عاجل / التحقيق مع شخصيات بارزة في ملف فساد مالي يطال هيئة الحقيقة والكرامة

شرعت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، يوم الخميس، في استنطاق ثلاث شخصيات محورية ضمن ملف قضائي بارز يتعلق بشبهات تجاوزات وخروقات مالية. وشملت عمليات الاستنطاق سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، والمحامي خالد الكريشي، الذي ترأس لجنة التحكيم والمصالحة ضمن الهيئة ذاتها، إضافة إلى رجل الأعمال سليم شيبوب. وفي تطور لافت، أحالت النيابة العمومية وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية الأسبق، مبروك كرشيد، على ذمة القضية بحالة فرار، مما يعمق أبعاد هذه القضية المثيرة للجدل.

تتمحور هذه القضية المعقدة حول الاشتباه في وجود تجاوزات وخروقات جسيمة رافقت أعمال هيئة الحقيقة والكرامة، المؤسسة التي أُنيطت بها مهمة كشف الحقيقة وجبر الضرر والمصالحة في إطار مسار العدالة الانتقالية في تونس بعد ثورة 2011. وتأتي هذه التحقيقات في سياق جهود الدولة المستمرة لمكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في المؤسسات العمومية.

وقد تركزت التحقيقات القضائية بشكل خاص على الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها خلال إبرام اتفاقية الصلح التحكيمي مع رجل الأعمال سليم شيبوب. وتسعى الدائرة القضائية إلى تحديد مدى مطابقة هذه الاتفاقية للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل في البلاد، والتأكد من أنها لم تمس بحماية المال العام أو تتسبب في أضرار للمصالح المالية للدولة. ويُعتبر هذا الاتفاق، منذ الكشف عنه، نقطة خلاف رئيسية أثارت تساؤلات واسعة حول شفافية عمل الهيئة واستقلاليتها.

ووجهت إلى المتهمين في هذا الملف تهم خطيرة تتضمن "استغلال موظف عمومي لصفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، والإضرار بالإدارة، ومخالفة التراتيب الجاري بها العمل، والمشاركة في ذلك". وتعكس هذه التهم حجم الضرر المالي والإداري الذي يُشتبه في أنه لحق بالدولة، وتؤكد على أن المشرع التونسي يتصدى بحزم لأي تجاوزات قد تطال الوظيفة العمومية ومسؤولية الحفاظ على الموارد العامة.

تأتي هذه التطورات القضائية لتُسلط الضوء مجدداً على ملف هيئة الحقيقة والكرامة، التي أثارت نقاشات حادة خلال فترة عملها (2014-2019) وبعد انتهاء ولايتها. فبالرغم من دورها المحوري في معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، واجهت الهيئة انتقادات متكررة بشأن منهجية عملها، وشفافية قراراتها، خاصة فيما يتعلق بالجانب المالي لبعض اتفاقيات الصلح، التي اعتبرها البعض غير متوازنة وقد لا تصب في المصلحة العليا للدولة التونسية. وكانت اتفاقية الصلح مع رجل الأعمال سليم شيبوب، على وجه الخصوص، قد شكلت محور جدل عام واسع حول مدى احترامها للقوانين والإجراءات المعمول بها.

وتعكس هذه القضية أيضاً التحديات التي تواجهها تونس في مسارها نحو ترسيخ العدالة الانتقالية ومكافحة الفساد، حيث تتداخل الأبعاد السياسية بالمالية والقانونية. ويعتبر مسار المحاكمة الراهن اختباراً حقيقياً لاستقلالية القضاء التونسي وقدرته على فرض سلطة القانون على الجميع دون استثناء، مهما كانت مناصبهم السابقة أو تأثيرهم المجتمعي، وهو ما يؤكد على إرادة الدولة في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة.

ومن المتوقع أن تستمر التحقيقات في هذه القضية الحساسة لأسابيع أو أشهر مقبلة، حيث سيتم الاستماع إلى مزيد من الأطراف وجمع الأدلة اللازمة للتوصل إلى الحقيقة الكاملة. وتبقى مبدأ البراءة الأصلية مكفولاً لجميع المتهمين إلى حين صدور حكم قضائي نهائي بات، لكن مسار هذه القضية سيتابع باهتمام بالغ على الصعيد الوطني، نظراً لأهمية الشخصيات المتورطة فيها وحساسية الملف المتعلق بإحدى أهم مؤسسات العدالة الانتقالية في تونس.

أحدث أقدم