تراجع حاد في قيمة الجنيه السوداني

تراجع حاد في قيمة الجنيه السوداني

تشهد الساحة الاقتصادية السودانية جدلاً واسعاً حول إمكانية حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني، بعد أن فقدت العملة المحلية أكثر من 80% من قيمتها الشرائية منذ اندلاع الحرب في البلاد في أبريل 2023. ويأتي هذا النقاش عقب قيام بنك السودان المركزي بسحب ست فئات نقدية من التداول في يوليو الجاري، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم التركيبة الفئوية للعملة.

وكانت الحكومة السودانية قد أعادت العمل بالجنيه في عام 2007 بعد غياب دام أكثر من 15 عاماً، تم خلالها تداول الدينار، وذلك في إطار ما عُرف بسياسة التأصيل الاقتصادي. وجاءت هذه الخطوة تنفيذاً لاتفاق السلام الذي أنهى الحرب الأهلية بين شطري البلاد، حيث تم حذف صفرين من العملة، ليساوي الجنيه الواحد مئة دينار.

وفي يوليو الحالي، أصدر بنك السودان المركزي بياناً أعلن فيه سحب الفئات النقدية من فئة جنيه واحد، وجنيهين، وخمسة جنيهات، وعشرة جنيهات، وعشرين جنيهاً، وخمسين جنيهاً من التداول، مع منح المواطنين مهلة ثلاثة أشهر لاستبدالها عبر المصارف التجارية، تنتهي في 30 يوليو الجاري.

ويأتي الحديث عن حذف ثلاثة أصفار من الجنيه في ظل ضغوط اقتصادية هائلة يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب، والتي أدت إلى تراجع حاد في قيمة العملة. إذ يبلغ متوسط سعر صرف الدولار في السوق الموازية نحو 5500 جنيه، مقارنة بأقل من 600 جنيه قبل الحرب. وقد لاحظ المراقبون أن التجار والمتعاملين في الأسواق بدأوا فعلياً بحذف ثلاثة أصفار، حيث أصبحوا يطلقون على المليون جنيه "ألف جنيه"، وعلى المليار "مليون جنيه".

وفي سياق متصل، قلّ الاعتماد على العملة الورقية بشكل ملحوظ لصالح التطبيقات المصرفية، التي باتت تُستخدم حتى في شراء كوب الشاي من البائعات على الطرقات، ودفع تذاكر الحافلات، فضلاً عن كافة الرسوم الحكومية. ويرى الباحث الاقتصادي محمد حسان أن حذف الأصفار لا يعالج الأسباب الهيكلية للتضخم مثل العجز المالي أو ضعف الإنتاج، لكنه قد يكون له أثر نفسي في تخفيف الشعور بانهيار العملة، مما يعيد بعض الثقة بالجنيه السوداني. وأكد حسان أن هذا الإجراء سيبقى شكلياً ما لم ترافقه إصلاحات هيكلية في الميزانية والإنتاج والثقة العامة في النظام المالي.

من جهة أخرى، أشار حسان إلى أن أبرز إيجابيات حذف الأصفار تتمثل في تسهيل العمليات المصرفية اليومية وتحسين كفاءة إدارة السيولة في المؤسسات المالية، بالإضافة إلى احتواء التضخم النقدي الناجم عن تضخم الكتلة النقدية. وأوضح أن هذا الإجراء ليس جديداً، بل لجأت إليه دول كثيرة مرت بظروف تضخمية مشابهة، مثل تركيا والبرازيل والأرجنتين وروسيا، وكذلك ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي المقابل، يرى وزير المالية والاقتصاد السابق علي محمود أن حذف الأصفار من العملة ليس علاجاً اقتصادياً حقيقياً، بل هو هروب من مواجهة المشكلة بدلاً من البحث عن علاج علمي دقيق لها. وتبقى الأنظار متجهة نحو الخطوات المقبلة للحكومة السودانية في ظل التحديات الاقتصادية المتصاعدة التي تعصف بالبلاد.

أحدث أقدم