تعد الإحاطات الاستخبارية اليومية واحدة من أهم قنوات التواصل بين الرئيس الأمريكي ومجتمع الاستخبارات، حيث تجمع بين السرية المطلقة والدقة التحليلية لتزويد صانع القرار بأحدث المعلومات والتقديرات حول التهديدات والفرص الدولية. وقد وصفت بأنها "أصغر صحيفة يومية في العالم من حيث التوزيع، وأكثرها سرية، وربما أفضلها اطلاعا"، على حد تعبير المؤرخ الرسمي للاستخبارات البريطانية كريستوفر أندرو.
وتختلف أجهزة الاستخبارات في درجة تغليف أعمالها بالسرية، فبعضها يعمل على حجب أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الخصوم، في حين تتبنى أجهزة أخرى نهجا مختلفا يقوم على الإفصاح عن جانب من معارفها وخبراتها، مع حصر الحماية في نطاق ضيق من المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى إلحاق ضرر ملموس بأمنها القومي. ويعد النموذج الأمريكي من أبرز الأمثلة على هذا النهج، حيث دأبت أجهزة الاستخبارات الأمريكية على نشر جانب معتبر من خبراتها التاريخية والتنظيمية والعملياتية، انطلاقا من قناعة بأن تراكم المعرفة وتداولها يساهمان في تطوير الأداء المهني وصقل قدرات الأجيال الجديدة.
وفي هذا السياق، أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مركزا متخصصا لدراسات الاستخبارات، تولى على مدار عقود إصدار عشرات الكتب والدراسات والوثائق التي تتناول تاريخ العمل الاستخباري الأمريكي وآلياته وتحدياته. ومن بين أبرز إصدارات هذا المركز كتاب "الإحاطات الاستخباراتية للمرشحين للرئاسة والرؤساء المنتخبين من عام 1952 إلى عام 2016"، الذي أعده جون هيلغرسون، نائب مدير وكالة المخابرات المركزية لشؤون الاستخبارات سابقا، والذي قدم بنفسه الإحاطة الاستخبارية للرئيس بيل كلينتون عقب فوزه في انتخابات 1992.
واعتمد هيلغرسون في تأليف الكتاب على مقابلات شخصية مع مقدمي الإحاطات السابقين من ضباط الاستخبارات، وكذلك مع عدد من الرؤساء الأمريكيين مثل جورج بوش الأب ورونالد ريغان وجيمي كارتر وجيرالد فورد، فضلا عن اطلاعه على أرشيف الإحاطات السرية المقدمة للرؤساء منذ بدئها في عام 1952. وقد نشرت آخر طبعة للكتاب عام 2022 لتغطي الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترمب.
ويكشف الكتاب كيف تطورت آلية الإحاطات الاستخبارية منذ أن وجد هاري ترومان نفسه رئيسا للولايات المتحدة في 12 أبريل 1945 بعد وفاة فرانكلين روزفلت، ليكتشف بعد أقل من أسبوعين وجود مشروع مانهاتن لتطوير القنبلة الذرية دون أن يكون على علم بتفاصيله. تركت هذه التجربة أثرا عميقا في ترومان، وأقنعته بأن الرئيس الجديد لا ينبغي أن يبدأ ولايته وهو يجهل الملفات الدولية والأمنية التي سيصبح مسؤولا عنها منذ اليوم الأول. وفي عام 1947 أنشئت وكالة الاستخبارات المركزية ضمن قانون الأمن القومي، ضمن عملية إعادة تنظيم لمؤسسات الأمن والدفاع الأمريكية.
وفي عام 2020، نشر شبتاي شافيت، رئيس الموساد السابق، النسخة الإنجليزية من مذكراته، وعقد فيها مقارنة بين النهجين السوفياتي والأمريكي في التعامل مع المعلومات. فبينما سعى الاتحاد السوفياتي إلى إحاطة 100% من معلوماته بالسرية، اعتمدت الولايات المتحدة مقاربة تقوم على حماية الحد الأدنى من المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى الإضرار بمصادر القوة الأمريكية، مع ترك بقية المعلومات متاحة للتداول. ووفقا لشافيت، فإن هذا النهج يجعل من الصعب على الخصوم التقاط الإشارة الحقيقية المهمة وسط تدفق وتضارب المعلومات المتاحة للجميع.
ويفتح كتاب هيلغرسون نافذة نادرة على واحدة من أكثر حلقات صناعة القرار الأمريكي سرية، وهي الإحاطات الاستخبارية التي تقدم للمرشحين الرئاسيين والرؤساء المنتخبين، وما تحمله من تقديرات وتحذيرات ومعلومات تسهم في تشكيل فهمهم للعالم وتوجيه قراراتهم في ملفات الحرب والسلم والسياسة الخارجية.
