
أظهرت آخر المعطيات الصادرة عن البنك المركزي التونسي تراجعاً في مستوى الموجودات الصافية من العملة الأجنبية، لتصل إلى 22.955 مليار دينار تونسي بتاريخ 15 جويلية 2026، وهو ما يعادل تغطية 91 يوماً من التوريد. ويأتي هذا التراجع بعد فترة وجيزة كانت فيها الاحتياطات قد تجاوزت حاجز 98 يوماً من التوريد في بداية الشهر ذاته، ما يشير إلى فقدان عدة أيام من التغطية في ظرف زمني قصير، وذلك رغم إتمام سداد قرض سندي خارجي كبير.
وبحسب البيانات الرسمية، فقد بلغت قيمة الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة بتاريخ 14 جويلية 2026 نحو 29.268 مليار دينار، فيما استقر رصيد الحساب الجاري للخزينة العامة عند 1.215 مليار دينار. تعكس هذه الأرقام الوضعية الراهنة للسيولة النقدية والموارد المتاحة للدولة في سياق التقلبات الاقتصادية.
يؤكد هذا التطور أن تجاوز تونس لاستحقاق سندي كبير لا يترجم بالضرورة إلى تحسن فوري ومستدام في الوضع الخارجي للبلاد. إذ تبقى تونس مطالبة بضرورة تأمين موارد دائمة من العملة الصعبة لتغطية احتياجاتها من الواردات الأساسية وخدمة بقية التزاماتها الديونية وتمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة. ففي حين ساهم خلاص قرض عام 2019 في تخفيف جزء من عبء الدين السندي الخارجي، فإن المحافظة على مستوى مريح من احتياطي العملة تظل رهينة بالأساس بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق تدفقات مالية جديدة، سواء عبر تنمية الصادرات، أو جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، أو زيادة مداخيل السياحة، إضافة إلى تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج.
يسلط هذا المسار الضوء على مفارقة هيكلية في المالية العمومية التونسية، حيث تمكنت الدولة من تقليص جزء من التزاماتها الخارجية، غير أنها في المقابل شهدت ارتفاعاً في اعتمادها على الاقتراض الداخلي. هذا التوجه أدى إلى أن يصبح الدين الداخلي يمثل الشق الأكبر من إجمالي الدين العمومي. ومن ثم، فإن التحدي المستقبلي لا يقتصر فقط على تسديد الديون المستحقة، بل يمتد ليشمل ضرورة تغيير معادلة التمويل نفسها، من خلال تعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الموارد الذاتية للدولة، وذلك لتفادي أن يتحول الاعتماد المتزايد على السوق الداخلية إلى ضغط إضافي على السيولة والقطاع البنكي ككل.
يُشار إلى أن تونس قد سجلت هبوطاً في عدد أيام التوريد في مناسبات سابقة متعددة، الأمر الذي لا يُعد حدثاً استثنائياً بحد ذاته، إذ أن هذا المؤشر يتغير صعوداً ونزولاً تبعاً لتدفقات العملة الصعبة وحجم الواردات ومواعيد تسديد الديون الخارجية.
ومن أبرز الفترات التي شهدت فيها تونس تراجعاً ملحوظاً في احتياطي العملة الصعبة يمكن ذكر الفترة بين 2016 و 2018، حيث تدهور الاحتياطي بفعل ارتفاع العجز التجاري وتراجع قيمة الدينار وارتفاع حاجيات التمويل الخارجي، ليصل في بعض الأحيان إلى مستويات قاربت 70 يوماً من التوريد. كما شهد عام 2019، قبل تفشي جائحة كوفيد-19، ضغطاً على الاحتياطي نتيجة خدمة الدين وارتفاع فاتورة الطاقة. وفي عام 2022، تزايدت الضغوط على العملة الصعبة بشكل كبير إثر الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة والحبوب بعد الحرب الروسية الأوكرانية، مما أثار مخاوف من تراجع حاد في الاحتياطي. واستمرت التقلبات في عام 2023 بين الصعود والنزول، متأثرة بمداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج مقابل ارتفاع الواردات وخدمة الدين.
ويعتبر أدنى مستوى سجله الاحتياطي في تاريخ تونس الحديث هو 21 يوماً من التوريد عام 1986، وهي الفترة التي وُصفت بأنها أسوأ أزمة سيولة خارجية، حيث وجدت البلاد نفسها آنذاك عاجزة عن تغطية حاجياتها الأساسية من الواردات، مما استدعى اللجوء إلى برنامج إصلاح اقتصادي شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.
لكن ما يميز الوضع الراهن في جويلية 2026 هو السياق الذي يتزامن فيه هذا التراجع. فالهبوط إلى 91 يوماً من التوريد يأتي مباشرة بعد خلاص استحقاق خارجي كبير بقيمة 700 مليون يورو. هذا التزامن يطرح تساؤلات جدية حول قدرة تونس على الحفاظ على مستوى مستقر للاحتياطي من العملة الصعبة بعد خروج مبلغ ضخم كهذا من خزائنها، ويبرز ضرورة إيجاد حلول هيكلية لتأمين تدفقات مستدامة.