
شهد مستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة، وهو أحد أبرز المؤسسات الاستشفائية المتخصصة في الأمراض الصدرية في تونس، توافدًا ملحوظًا لمرضى القصور التنفسي المزمن خلال الأيام القليلة الماضية. ويأتي هذا الارتفاع اللافت في عدد الحالات بالتزامن مع موجة الحرارة الاستثنائية التي تشهدها البلاد حاليًا، وما صاحبها من انقطاع متكرر للتيار الكهربائي في العديد من المناطق، مما فاقم من معاناة هذه الفئة من المرضى.
وأفادت مصادر طبية من داخل المستشفى أن الزيادة في أعداد الوافدين شملت كلاً من قسم الاستعجالي وأقسام الأمراض الصدرية، حيث يمثل المرضى الذين يعتمدون على أجهزة العلاج بالأوكسجين المنزلي النسبة الأكبر من هذه الحالات. وتعتمد حياة هؤلاء المرضى بشكل حيوي على التغذية المستمرة بالأوكسجين عبر أجهزة طبية تتطلب تيارًا كهربائيًا ثابتًا لعملها، مما يجعلهم الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة في حال انقطاع الكهرباء.
وتعاني تونس منذ أسابيع من موجة حر غير مسبوقة، تجاوزت فيها درجات الحرارة المعدلات الموسمية بكثير في أغلب الولايات، لتلامس أحيانًا عتبة الخمسين درجة مئوية في الظل ببعض المناطق الجنوبية والداخلية. وقد أدت هذه الظروف المناخية القاسية إلى ارتفاع كبير في استهلاك الطاقة الكهربائية، نتيجة لجوء المواطنين إلى أجهزة التكييف والتبريد، مما وضع شبكة الكهرباء الوطنية تحت ضغط هائل وتسبب في سلسلة من الانقطاعات المتتالية في الإمداد الكهربائي، شملت أحياء سكنية ومناطق ريفية وحتى بعض المؤسسات الحيوية.
وتُعد فئة مرضى القصور التنفسي المزمن، بمن فيهم المصابون بالربو الحاد ومرض الانسداد الرئوي المزمن وغيرها من الأمراض الصدرية، من الفئات الأكثر هشاشة أمام مثل هذه الظروف. فالتعرض للحرارة الشديدة يزيد من العبء على الجهاز التنفسي والدورة الدموية، بينما يؤدي انقطاع التيار الكهربائي إلى توقف أجهزة الأوكسجين المنزلية، ما يحرم المرضى من دعم حيوي لعملية التنفس، ويدفعهم نحو المستشفيات بحثًا عن الرعاية الطارئة.
وتثير هذه الظاهرة مخاوف جدية بشأن قدرة المنظومة الصحية على استيعاب تزايد هذه الحالات، خاصة في ظل استمرار موجة الحر وعدم استقرار الإمدادات الكهربائية. وشدد أطباء على أهمية توفير بدائل للطاقة للمرضى الذين يعتمدون على الأوكسجين المنزلي، مثل البطاريات الاحتياطية أو مولدات الكهرباء الصغيرة، وضرورة التواصل المستمر مع مقدمي الرعاية الصحية للحصول على الإرشادات اللازمة في أوقات الأزمات.
هذا وتدعو السلطات الصحية والمؤسسات المعنية بالمناخ والطاقة إلى تنسيق الجهود واتخاذ إجراءات استباقية للتخفيف من تأثير الظواهر المناخية القاسية وانقطاعات التيار الكهربائي على صحة المواطنين، لا سيما الفئات الأكثر ضعفًا، لضمان استمرارية الرعاية الصحية وسلامة المرضى خلال فترات الأزمات المتوقعة في المستقبل.