
يبدو أن الحاجة للسيولة النقدية في السوق التونسية تتصاعد بوتيرة لافتة، وهو ما كشفت عنه البيانات الصادرة حديثاً عن البنك المركزي التونسي. فقد أظهر التقرير السنوي لسنة 2025، الذي يغطي تفاصيل الأداء النقدي والمالي للبلاد خلال العام المنصرم 2024، أن البنك المركزي أصدر حجمًا غير مسبوق من الأوراق النقدية الجديدة. ووفقاً للتقرير، بلغ العدد الإجمالي للأوراق النقدية الجديدة التي تم تداولها 117 مليون ورقة، بقيمة إجمالية تجاوزت 3.509 مليار دينار تونسي. يمثل هذا الرقم زيادة سنوية ملحوظة تُقدر بنحو 15.3 بالمائة مقارنة بالسنة التي سبقتها، مما يعكس تزايد الطلب على النقد.
يُعد هذا الارتفاع الكبير في حجم وقيمة الإصدارات النقدية مؤشراً رئيسياً على عدة ظواهر اقتصادية متداخلة. فمن جهة، قد يشير إلى نشاط اقتصادي متزايد يتطلب المزيد من السيولة لإتمام المعاملات اليومية، أو قد يعكس، من جهة أخرى، تأثيراً محتملاً لارتفاع معدلات التضخم التي تدفع الأفراد والشركات للاحتفاظ بكميات أكبر من النقد لإنجاز نفس القدر من المعاملات السابقة. كما يمكن أن يُفسر هذا الاتجاه بتوسع النشاط الاقتصادي غير الرسمي، الذي يعتمد بشكل كبير على المعاملات النقدية بعيداً عن القنوات المصرفية الرسمية، أو بسلوك المستهلكين الذين يفضلون الدفع النقدي في ظل غياب أو ضعف آليات الدفع الإلكتروني في بعض القطاعات.
يضطلع البنك المركزي التونسي بمسؤولية حاسمة في إدارة السيولة النقدية في البلاد، وذلك في إطار مهامه الرئيسية الرامية إلى المحافظة على استقرار الأسعار وضمان سلامة النظام المالي. وتُعد عملية إصدار الأوراق النقدية جزءاً لا يتجزأ من هذه المسؤولية، حيث يهدف البنك إلى تلبية احتياجات السوق من النقد دون الإفراط الذي قد يغذي التضخم، أو النقص الذي قد يعرقل النشاط الاقتصادي. ويعكس هذا الإصدار القياسي تحديات موازنة دقيقة يواجهها البنك المركزي بين دعم النمو الاقتصادي وضبط السياسات النقدية.
إن تزايد حجم الأوراق النقدية المتداولة يحمل في طياته دلالات اقتصادية أعمق تتجاوز مجرد أرقام الإصدار. فقد يؤثر هذا التوجه على السياسة النقدية العامة للبنك المركزي، لاسيما في جهوده الرامية للتحكم في الكتلة النقدية ومواجهة الضغوط التضخمية التي تعاني منها البلاد. كما أن تزايد الاعتماد على النقد يمكن أن يؤثر على جهود الشمول المالي وتشجيع المعاملات المصرفية والرقمية، التي تُعد ركيزة أساسية لتحديث الاقتصاد وتحقيق الشفافية ومكافحة التهرب الضريبي وغسل الأموال.
في حين تتجه العديد من الاقتصادات العالمية نحو التخفيف من الاعتماد على النقد الورقي لصالح المدفوعات الرقمية والإلكترونية، يبدو أن تونس لا تزال تشهد تزايداً في الطلب على السيولة المادية. هذا التباين يضع تحديات إضافية أمام صانعي السياسات النقدية، الذين يُطالبون ليس فقط بتلبية الطلب المتزايد على النقد، بل أيضاً بوضع استراتيجيات فعالة للتحول نحو مجتمع أقل اعتماداً على النقد. وقد يكون هذا التوجه جزءاً من استجابة السوق للعوامل الاقتصادية الراهنة، بما في ذلك التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد التونسي والحاجة إلى تعزيز الثقة في القنوات المصرفية.
يتطلب تحليل هذا الارتفاع في إصدار الأوراق النقدية نظرة شاملة للعديد من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. وسيكون على البنك المركزي التونسي، في المرحلة المقبلة، مواصلة متابعة هذه الظاهرة عن كثب، وتقييم آثارها المحتملة على استقرار الأسعار والسياسة النقدية والجهود الرامية إلى تحديث النظام المالي. كما يبرز هذا التقرير أهمية تعزيز آليات الدفع الحديثة وتوسيع نطاق الشمول المالي لتقليل الاعتماد المفرط على النقد، بما يساهم في بناء اقتصاد أكثر كفاءة وشفافية.