
كشفت أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي والمعهد الوطني للإحصاء عن ضغوط متزايدة تواجه الاقتصاد التونسي، متأثراً بتراجع احتياطي النقد الأجنبي وتفاقم العجز التجاري خلال الأشهر الأولى من العام الجاري. وتأتي هذه المؤشرات لتسلط الضوء على عمق التحديات الهيكلية والتمويلية التي تواجهها البلاد في ظل تقلبات سعر صرف العملة المحلية واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات.
وأظهرت المؤشرات المالية والنقدية للبنك المركزي التونسي تراجعاً في الموجودات الصافية من العملة الأجنبية لتصل إلى 24,539.6 مليون دينار بحلول الثالث من جويلية (يوليو) 2026. وتغطي هذه الاحتياطيات ما يعادل 97 يوم توريد، مسجلة بذلك انخفاضاً مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي التي كانت تغطي 100 يوم توريد، أي بتراجع قدره ثلاثة أيام. ويعكس هذا المنحى النزولي الضغط المستمر على ميزان المدفوعات الخارجي للبلاد وحاجتها المتزايدة لتمويل وارداتها الأساسية.
وفي سوق الصرف، سجل الدينار التونسي تراجعاً أمام العملات الرئيسية، وخاصة الدولار الأمريكي. وانخفض سعر صرف الدينار مقابل العملة الخضراء بنسبة 2.05 بالمائة ليبلغ 2.9586 دينار للدولار الواحد في مطلع جويلية الجاري، مقارنة بـ 2.8992 دينار قبل سنة. وفي المقابل، شهد سعر صرف الأورو شبه استقرار نسبي مع ميل طفيف للارتفاع، حيث بلغ 3.372 دينار مقارنة بـ 3.368 دينار في نفس الفترة من العام المنصرم، مما يزيد من كلفة الواردات المسعرة بالعملات الأجنبية ويضغط على التوازنات المالية العامة.
على صعيد آخر، أظهرت محركات النمو التقليدية أداءً متبايناً؛ حيث سجلت المداخيل السياحية شبه استقرار لتبلغ 3,352.4 مليون دينار حتى نهاية جوان (يونيو) 2026. وفي المقابل، واصلت تحويلات التونسيين بالخارج لعب دورها الحيوي كصمام أمان للاحتياطيات النقدية، حيث بلغت قيمتها نحو 4,405.2 مليون دينار، مما يساهم جزئياً في الحد من تدهور الرصيد الجاري وتوفير سيولة ضرورية من النقد الأجنبي.
وبالتوازي مع هذه التطورات النقدية، كشف المعهد الوطني للإحصاء عن تفاقم مقلق في العجز التجاري لتونس خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026. ووفقاً لبيانات المعهد، قفز العجز التجاري ليتجاوز حاجز 10,415.6 مليون دينار، مقارنة بعجز قدره 8,365.7 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2025. ويعزى هذا التدهور إلى نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات؛ حيث بلغت قيمة الواردات التونسية 38,585.4 مليون دينار حتى نهاية ماي (مايو) الماضي مقارنة بـ 35,197.2 مليون دينار في العام السابق، في حين لم تتجاوز الصادرات 28,169.8 مليون دينار مقابل 26,831.5 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من 2025.
ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار اتساع الفجوة التجارية والنزيف المستمر لاحتياطي العملة الصعبة يضع السلطات التونسية أمام خيارات تمويلية معقدة، في وقت تسعى فيه البلاد لتأمين قروض خارجية ومواصلة تنفيذ إصلاحات اقتصادية وهيكلية تضمن استقرار الاقتصاد الكلي. ويتوقع محللون أن تتكثف الجهود الحكومية خلال الفترة المقبلة لترشيد الواردات غير الأساسية ودعم القطاعات التصديرية لتعزيز تدفقات النقد الأجنبي وضمان استدامة الديون السيادية.