لماذا حرارة اوروبا أشد فتكاً من 50 درجة في الخليج؟

تتجدد الصدمة ذاتها كل صيف مع حلول موجات الحر التي تضرب العواصم الأوروبية، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تلامس 35 درجة مئوية، ما يدفع لإعلان حالات الطوارئ ويسفر عن تسجيل مئات الوفيات بسبب الإجهاد الحراري. في المقابل، يعيش سكان العالم العربي، ولا سيما منطقة الخليج، تحت وطأة درجات حرارة تتراوح بين 45 و 50 درجة مئوية، ويمارسون حياتهم اليومية بقدر كبير من الانتظام والاعتياد. هذا التباين الظاهري ليس محض قدرة بشرية على التحمل فحسب، بل يخفي وراءه سراً علمياً وبيئياً دقيقاً يفسر كيف يمكن للرقم الأقل أن يكون هو الأكثر فتكاً.

يكشف الخبراء أن العامل العلمي الأول والأبرز في هذه المعادلة المعقدة هو "الرطوبة النسبية". فجسم الإنسان يمتلك آلية تبريد ذاتية تعتمد على إفراز العرق، الذي يقوم بامتصاص الحرارة من الجسم ثم يتبخر في الهواء، مما يسهم في خفض حرارة الجلد الداخلية والحفاظ على استقرار درجة حرارة الأعضاء الحيوية. في الأجواء الجافة، كما هو الحال في معظم مناطق العالم العربي، وعندما تصل درجات الحرارة إلى 48 درجة مئوية، يتبخر العرق بسرعة وكفاءة عالية، مما يمكن الجسم من تبريد نفسه بفعالية. على النقيض من ذلك، في البيئات الأوروبية، حيث تسجل درجات الحرارة 35 درجة مئوية مصحوبة برطوبة تتجاوز 80%، يصبح الهواء مشبعاً ببخار الماء، ويفقد قدرته على امتصاص المزيد من العرق. في هذه الحالة، يلتصق العرق بالجلد، وتتعطل منظومة التبريد البشرية تماماً، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأعضاء الداخلية إلى مستويات خطيرة قد تهدد الحياة، وهي الظاهرة المعروفة علمياً باسم "درجة حرارة البصيلة الرطبة".

علاوة على ذلك، تلعب البنية التحتية دوراً محورياً في تفاقم هذه المعضلة. فالمباني في معظم الدول الأوروبية صممت تاريخياً وهندسياً بغرض احتباس الحرارة وعزل البرودة الشديدة خلال فصل الشتاء، وذلك بجدران سميكة ونوافذ مصممة لامتصاص أشعة الشمس. وعندما تضرب موجة حر هذه المناطق، تتحول هذه المنازل إلى ما يشبه «الأفران المغلقة»، محتفظة بالحرارة داخلها. ويزيد الطين بلة الندرة الشديدة لأجهزة التكييف في المنازل والمؤسسات الأوروبية، على عكس الوضع في العالم العربي حيث يُعد التكييف عصب الحياة اليومية والبنية التحتية مصممة هندسياً لطرد الحرارة والتعامل مع درجات الحرارة القصوى.

يؤكد خبراء المناخ والأطباء أن خطورة الطقس والإجهاد الحراري لا تُقاس مطلقاً بمؤشر درجة الحرارة الجافة وحدها، بل بما يُسمى علمياً "الإجهاد الحراري الفعلي" (Heat Stress). وهو نتاج تفاعل معقد لأربعة عوامل رئيسية: درجة حرارة الهواء المباشرة، نسبة الرطوبة في الجو، سرعة الرياح والتهوية، وأخيراً، طبيعة المعيشة ومدى توفر التبريد الصناعي والتقنيات الحديثة للتخفيف من تأثير الحرارة.

لهذه الأسباب العلمية مجتمعة، يوضح الخبراء أن 35 درجة مئوية في شقة مغلقة ورطبة بمدينة أوروبية مثل باريس، قد تشكل خطورة أكبر على حياة الإنسان، وتؤدي إلى وفيات وإصابات أكثر، مقارنة بـ 50 درجة مئوية تحت أشعة الشمس الجافة في صحراء مدينة مثل الرياض، حيث يكون تبخر العرق فعالاً وتتوفر بنية تحتية مصممة للتعامل مع الحرارة القصوى.

أحدث أقدم