المعهد العربي لرؤساء المؤسسات: تسقيف أسعار اللحوم في تونس أدى إلى اختلال هيكلي !

حذر المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في ورقة بحثية حديثة من التداعيات السلبية الجسيمة لسياسة تسقيف الأسعار التي اعتمدتها السلطات في قطاع اللحوم الحمراء، معتبراً أن هذه المقاربة الإدارية أغفلت كلفة الإنتاج الحقيقية وتسببت في اضطرابات هيكلية عميقة في توازن المنظومة الوطنية. وأكد المعهد أن استمرار هذا التوجه يهدد مستقبل القطاع الحيواني برمته في ظل تراجع العرض وتنامي الضغوط على المربين.

وتشير الوثيقة إلى أن الدولة التونسية انتهجت خلال الفترة بين 2020 و2021 سياسة تجميد وتسقيف الأسعار كإجراء ظرفي، في وقت كانت فيه تكاليف الإنتاج تتصاعد نتيجة تقلبات أسعار الأعلاف عالمياً ومحلياً. وتوجت هذه السياسات بقرار وزاري في أوت 2024 حدد سقفاً إدارياً لسعر لحم الضأن بـ43 ديناراً للكيلوغرام، وهو رقم ظل بعيداً كل البعد عن الأسعار الفعلية المتداولة في الأسواق الحرة.

ووفقاً للبيانات التي أوردها المعهد، فقد دخلت منظومة اللحوم الحمراء خلال عام 2026 مرحلة حرجة اتسمت بـندرة حادة في العرض، وذلك كنتيجة طبيعية لتآكل القطيع الحيواني بسبب الضغوط المالية التي واجهها المربون لسنوات طويلة. وقد أدى هذا الخلل بين العرض والطلب إلى ارتفاع أسعار لحم الضأن في الأسواق الموازية والمحلات لتتراوح بين 60 و80 ديناراً للكيلوغرام، في حين ظل السعر الإداري حبيس نقاط البيع المنظمة وبكميات محدودة جداً لا تلبي حاجيات المستهلكين.

وسجلت الورقة البحثية مفارقة اقتصادية لافتة خلال سنة 2026، حيث ارتفعت أسعار الأضاحي إلى مستويات قياسية تراوحت بين 1300 و1500 دينار للخروف المتوسط، وتجاوزت حاجز الـ2000 دينار للأحجام الكبيرة، رغم انخفاض أسعار الأعلاف بنسبة ناهزت 25 بالمائة. ويعزو المعهد هذا التناقض إلى انفصال تام بين كلفة الإنتاج الفعلية وسعر البيع النهائي، بالإضافة إلى تصفية أجزاء كبيرة من القطيع خلال السنوات السابقة مما جعل الأزمة هيكلية وليست ظرفية.

كما نبه التقرير إلى تداعيات جانبية خطيرة تمثلت في تنامي أنشطة التهريب للماشية نحو الدول المجاورة، حيث خلقت الفوارق السعرية الكبيرة حوافز غير قانونية أدت إلى استنزاف الرصيد الحيواني الوطني وزيادة حدة النقص في السوق المحلية. وأوضح الخبراء أن هذه الممارسات لم تكن لتنتشر لولا السياسات الإدارية التي أخلت بتوازن الربحية للمنتج المحلي.

وخلص المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى أن سياسة التسقيف، التي كان الهدف منها حماية القدرة الشرائية للمستهلك، قد أفضت عملياً إلى نتائج عكسية ساهمت في تعميق الأزمة ورفع الأسعار بشكل مضاعف. ودعا المعهد في ختام دراسته إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية في قطاع اللحوم، مع التركيز على استعادة التوازن بين كلفة الإنتاج وسعر البيع بما يضمن ديمومة القطيع الحيواني وتحقيق استقرار حقيقي في السوق بعيداً عن الحلول الإدارية القاصرة.

أحدث أقدم