عادت أسعار النفط العالمية، اليوم ، إلى الارتفاع بقوة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة بعد تعثّر المفاوضات بين واشنطن وطهران واستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط في العالم. هذا التصعيد أعاد المخاوف بشأن اضطراب الإمدادات، خصوصا بعد ارتفاع النفط الخام برنت إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل، بينما بلغ الخام الأمريكي مستوى 100 دولار، في وقت استعاد فيه الدولار الأمريكي زخمه أمام العملات الرئيسية باعتباره ملاذا آمنا للمستثمرين.
هذه التطورات لا تبدو بعيدة عن تونس، بل تحمل معها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الوطني والمالية العمومية، خاصة في ظل اعتماد البلاد بشكل كبير على توريد المحروقات لتلبية حاجياتها من الطاقة.
ميزانية الدولة تحت ضغط متزايد
ارتفاع أسعار النفط يضع الحكومة التونسية أمام تحديات مالية معقدة، إذ ترتفع تلقائيا كلفة واردات الطاقة، ما يوسع عجز الميزان التجاري ويزيد الضغط على احتياطي العملة الصعبة. وتزداد الصعوبة مع صعود الدولار، باعتبار أن تونس تسدد مشترياتها النفطية بالعملة الأمريكية، وهو ما يعني ارتفاعا مضاعفا في الكلفة.
وتخشى الأوساط الاقتصادية من أن يؤدي استمرار الأسعار الحالية إلى زيادة كبيرة في نفقات الدعم، خاصة وأن الدولة تحاول منذ سنوات الحد من العبء الثقيل الذي تمثله المحروقات على الميزانية. فكل ارتفاع في سعر البرميل ينعكس مباشرة على التوازنات المالية، ويقلص هامش التحرك أمام الحكومة في مجالات أخرى كالصحة والاستثمار والبنية التحتية.
هل تعود زيادات المحروقات؟
في ظل هذه المعطيات، تتزايد المخاوف من إمكانية مراجعة أسعار المحروقات في السوق المحلية خلال الفترة المقبلة إذا تواصلت موجة الارتفاع العالمية. ورغم حساسية هذا الملف اجتماعيا، فإن مواصلة تحمل فارق الأسعار عالميا قد تصبح أمرا مكلفا جدا بالنسبة للدولة، خاصة مع الضغوط المتواصلة على المالية العمومية.
ولا تتوقف التداعيات عند أسعار الوقود فقط، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ تؤثر كلفة الطاقة على النقل والإنتاج الصناعي وأسعار المواد الأساسية، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار.
الاقتصاد التونسي أمام اختبار جديد
يرى متابعون أن الأزمة الحالية تكشف مرة أخرى هشاشة المنظومة الطاقية في تونس، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع التبعية للأسواق الخارجية. كما تعيد إلى الواجهة ملف الانتقال الطاقي وضرورة الاستثمار بشكل أكبر في الطاقات المتجددة لتقليص الارتهان لتقلبات السوق العالمية.
لكن هذه الحلول تبقى رهينة الوقت والإمكانات المالية، بينما تواجه البلاد اليوم ضغوطا آنية تتطلب إيجاد توازن دقيق بين حماية القدرة الشرائية للمواطن والحفاظ على استقرار المالية العمومية.
مخاوف من موجة غلاء جديدة
الارتفاع المتواصل في أسعار النفط والدولار ، اليوم ، يثير مخاوف حقيقية من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التضخم، وهو سيناريو ستكون له انعكاسات مباشرة على تونس التي تعاني أصلا من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة.
ومع استمرار الغموض في المشهد الدولي، تبدو كل الاحتمالات مفتوحة، في وقت تترقب فيه الأسواق والحكومات ما ستؤول إليه الأزمة في منطقة تعد القلب النابض للطاقة في العالم.
وإلى حين اتضاح ملامح المشهد الاقتصادي والمالي، يتواصل سيناريو استنزاف موارد الدولة بوتيرة مقلقة، وسط تضخم متسارع لكلفة الدعم الطاقي وتفاقم الضغوط على المالية العمومية. فمنذ سنة 2023، تكبّدت الدولة خسائر تجاوزت 7 مليارات دينار نتيجة تغطية النفقات الطاقية، في ظل عجز متواصل وسياسات تمويل استثنائية تتكرر بنسق ماراطوني يثير مخاوف الخبراء والمتابعين للشأن الاقتصادي. وقد بلغ هذا المسار ذروته مع نهاية سنة 2025، حين سُجّل عجز في ميزانية الدولة قُدّر بـ11 مليار دينار، ما دفع البنك المركزي إلى التدخل في أكثر من مناسبة لتأمين حاجيات التمويل وسدّ الفجوة المالية عبر آليات اعتبرها أغلب الخبراء محفوفة بالمخاطر، لما قد تخلّفه من تداعيات مباشرة على نسب التضخم، وتراجع الاستثمار المحلي، وتآكل القدرة الشرائية، وهي انعكاسات يُتوقع أن تبدأ ملامحها بالظهور بشكل أوضح مع نهاية السنة الجارية.
Tags
اقتصاد