تعيش تونس منذ بداية سنة 2026 على وقع ضغوط اقتصادية متصاعدة، بعد أن عاد التضخم إلى الارتفاع بوتيرة أثارت مخاوف المواطنين والخبراء على حد سواء. فمع تزايد الأسعار في مختلف القطاعات، أصبحت القدرة الشرائية للتونسيين تتراجع بشكل واضح، في وقت لم تعد فيه الأجور قادرة على مواكبة نسق الغلاء المتسارع.
ووفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة التضخم خلال شهر أفريل 2026 نحو 5.5 بالمائة، مقابل 5 بالمائة في مارس و4.8 بالمائة في جانفي، وهو ما يعكس منحى تصاعديًا يعيد إلى الأذهان فترات اقتصادية صعبة عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية.
المواد الغذائية تشعل الأسعار
المواد الغذائية كانت المحرك الأبرز لموجة التضخم الحالية، إذ سجلت أسعار الغذاء ارتفاعًا وصل إلى 8.2 بالمائة خلال أفريل، مقارنة بـ6.8 بالمائة في الشهر السابق. هذه الزيادة مست بشكل مباشر الحياة اليومية للمواطنين، خاصة مع ارتفاع أسعار اللحوم والخضر والزيوت والحبوب، وهي مواد أساسية لا يمكن الاستغناء عنها داخل الأسرة التونسية.
كما شهدت أسعار الملابس والأحذية ارتفاعا تجاوز 9 بالمائة، بالتزامن مع زيادة أسعار خدمات المطاعم والنزل والنقل، ما جعل كلفة المعيشة ترتفع بشكل شامل، لا يقتصر فقط على المواد الاستهلاكية بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية.
ويؤكد مراقبون أن نسق الغلاء أصبح أسرع من قدرة العائلات على التكيف، خصوصا أن الارتفاع الشهري للأسعار بلغ 1.1 بالمائة في شهر واحد فقط، وهو مؤشر يعتبره اقتصاديون مقلقا لأنه يعكس تسارع التضخم في فترة زمنية قصيرة.
أسباب داخلية تعمّق الأزمة
ورغم تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار التوريد والطاقة، إلا أن خبراء الاقتصاد في تونس يرون أن جزءًا مهمًا من الأزمة يعود إلى عوامل داخلية متراكمة، أبرزها ارتفاع الضغط الجبائي، وضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع تكاليف التوزيع والنقل.
كما ساهم اضطراب مسالك التوزيع وكثرة الوسطاء في رفع الأسعار بشكل إضافي، حيث تنتقل السلع من المنتج إلى المستهلك عبر عدة حلقات، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار النهائية. ويرى مختصون أن غياب الرقابة الصارمة على بعض المسالك التجارية فتح المجال أمام المضاربة والاحتكار، وهو ما زاد من معاناة المواطن.
وتكشف أرقام المعهد الوطني للإحصاء أن أسعار المواد الحرة ارتفعت بنسبة 6.8 بالمائة، في حين لم تتجاوز الزيادة في المواد المؤطرة والمدعمة نسبة 1 بالمائة، ما يؤكد أن السوق الحرة أصبحت العامل الأساسي في تغذية التضخم.
الأجور تفقد قيمتها الحقيقية
في المقابل، لم تعد الزيادات التي أقرتها الدولة أو بعض المؤسسات كافية لتعويض التراجع المستمر في قيمة الأجور. فالكثير من الموظفين والعمال يؤكدون أن الراتب الشهري أصبح ينفد قبل نهاية الشهر بأيام طويلة، نتيجة تضاعف المصاريف الأساسية المتعلقة بالغذاء والنقل والفواتير.
وباتت الطبقة المتوسطة، التي كانت تمثل سابقًا عنصر التوازن الاجتماعي في تونس، الأكثر تضررا من الأزمة الحالية. فالعائلات التي كانت قادرة على الادخار أو التخطيط لمشاريع مستقبلية أصبحت اليوم منشغلة فقط بتأمين المصاريف اليومية الضرورية.
كما دفع الغلاء المتواصل العديد من الأسر إلى تغيير عاداتها الاستهلاكية، من خلال تقليص شراء بعض المواد الغذائية، أو التخلي عن نفقات الترفيه والسفر وحتى بعض الخدمات الصحية والتعليمية.
مخاوف من انعكاسات اجتماعية أوسع
ويرى جزء واسع من خبراء الاقتصاد، أن استمرار التضخم فوق مستوى 5 بالمائة قد يحمل تداعيات اجتماعية خطيرة خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار البطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي. ويحذر خبراء من أن أي زيادات جديدة في أسعار الطاقة أو المواد المستوردة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ما قد يفاقم حالة الاحتقان الاجتماعي.
في المقابل، تواصل الحكومة التونسية محاولاتها للحد من ارتفاع الأسعار عبر تكثيف حملات المراقبة الاقتصادية ودعم بعض المواد الأساسية، إلا أن البعض يعتبر أن هذه الإجراءات تبقى محدودة التأثير أمام عمق الأزمة وتعقيداتها.
هل تنجح تونس في استعادة التوازن الاقتصادي؟
أمام هذا الوضع، تبدو تونس مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإطلاق إصلاحات اقتصادية حقيقية تستهدف دعم الإنتاج المحلي، وتنظيم مسالك التوزيع، ومقاومة الاحتكار، إضافة إلى تخفيف الضغط الجبائي على المؤسسات والمواطنين.
ويرى خبراء أن استعادة التوازن الاقتصادي لن تكون ممكنة دون تحسين مناخ الاستثمار وخلق فرص عمل جديدة قادرة على تحريك عجلة النمو ورفع مستوى الدخل.
لكن إلى أن تتحقق هذه الإصلاحات، يبقى المواطن التونسي في مواجهة يومية مع موجة غلاء متواصلة، تلتهم قدرته الشرائية وتفرض عليه واقعًا اقتصاديًا أكثر صعوبة مع كل شهر جديد.
Tags
اقتصاد